البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة
عن الكتاب
﴿فَلَمَّا جاءهم الحق من عندنا﴾ ؛ القرآن المعجز، أو الرسول صلى الله عليه وسلم، ﴿قالوا﴾ أي : كفار مكة ؛ اقتراحاً وتعنتاً :﴿لولا﴾ : هلا ﴿أُوتي﴾ من المعجزات ﴿مثل ما أُوتي﴾ ؛ أُعطي ﴿موسى﴾ من اليد والعصا، ومن الكتاب المنزل جملة. قال تعالى :﴿أوَ لَمْ يكفروا﴾ أي : أبناء جنسهم، ومَنْ مَذهبهم على مذهبهم، وعنادهم مثل عنادهم، وهم الكفرة في زمن موسى عليه السلام، فقد كفروا ﴿بما أُوتي موسى من قبلُ﴾ ؛ من قبل القرآن، ﴿قالوا﴾ في موسى وهارون :﴿ساحران تظاهرا﴾ : تعاونا، أو : في موسى ومحمد - عليهما السلام - بإظهار تلك الخوارق، أو بتوافق الكتابين. وقرأ الكوفيون :" سِحْران " ؛ بتقدير مضاف، أي : ذوَا سحر، أو : جعلوهما سحريْن ؛ مبالغة في وصفهما بالسحر. ﴿وقالوا﴾ أي : كفرة موسى وكفرة محمد صلى الله عليه وسلم :﴿إِنا بكلِّ﴾ ؛ بكل واحد منهما ﴿كافرون﴾.
وقيل إن أهل مكة، لمّا كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن ؛ فقد كفروا بموسى وبالتوراة، وقالوا في محمد صلى الله عليه وسلم وموسى : ساحران تظاهرا، أو في التوراة والقرآن : سحران تظاهرا، أو : ذلك حين بَعَثُوا الرهط إلى رؤساء اليهود يسألونهم عن محمد، فأخبروهم أنه في كتابهم فرجع الرهط إلى قريش، فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا عند ذلك :﴿ساحران تظاهرا إنا بكل كافرون﴾.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: الإشارة : لولا احتجاج الناس على الله يوم القيامة، حين تصيبهم نقائص عيوبهم، ما بعث الله في كل زمان نذيراً طبيباً، فإذا ظهر وتوجه لتربية الناس، قالوا : لولا أُوتي مثل ما أُوتي فلان وفلان من كرامات المتقدمين، فيقال لهم : قد كان مَنْ قبلكم من الأولياء لهم كرامات، فكذَّبوهم، وأنكروا عليهم، ورموهم بالسحر والتبدع وغير ذلك، وبقوا مع هوى أنفسهم. ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله، أي : بغير تمسك بمن يهديه إلى حضرة الله، إن الله لا يهدي القوم الظالمين إلى معرفته الخاصة.
وقيل إن أهل مكة، لمّا كفروا بمحمد صلى الله عليه وسلم وبالقرآن ؛ فقد كفروا بموسى وبالتوراة، وقالوا في محمد صلى الله عليه وسلم وموسى : ساحران تظاهرا، أو في التوراة والقرآن : سحران تظاهرا، أو : ذلك حين بَعَثُوا الرهط إلى رؤساء اليهود يسألونهم عن محمد، فأخبروهم أنه في كتابهم فرجع الرهط إلى قريش، فأخبروهم بقول اليهود، فقالوا عند ذلك :﴿ساحران تظاهرا إنا بكل كافرون﴾.