التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - بعد ذلك موقفهم بعد مجىء الرسول ﷺ إليهم فقال :﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا﴾ متمثلا فى رسولنا محمد ﷺ وفيما أيدناه به من معجزات دالة على صدقه، وعلى رأسها القرآن الكريم.
لما جاءهم هذا الرسول الكريم ﴿قَالُواْ﴾ على سبيل التعنت والجحود : هلا أوتى هذا الرسول مثل ما أوتى موسى، من توراة أنزلت عليه جملة واحدة ومن معجزات حسية منها العصا واليد والطوفان، والجراد... إلخ.
وقوله - عز وجل - ﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَآ أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ..﴾ رد عليهم لبيان أن ما قالوه هو من باب العناد والتعنت، والاستفهام لتقرير كفرهم وتأكيده.
أى : قالوا ما قالوا على سبيل الجحود، والحال أن هؤلاء المشركين كفروا كفرا صريحا بما أعطاه الله - تعالى - لموسى من قبلك - يا محمد - من معجزات، كما كفروا بالمعجزات التى جئت بها من عند ربك، فهم ديدنهم الكفر بكل حق.
ثم حكى - سبحانه - بعض أقوالهم الباطلة فقال :﴿قَالُواْ سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلٍّ كَافِرُونَ﴾.
وقوله :﴿سِحْرَانِ﴾ خبر لمبتدأ محذوف. أى : قالوا ما يقوله كل مجادل بغير علم : هما - أى ما اء به موسى وما جاء به محمد - عليهما الصلاة والسلام، ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ أى : تعاونا على إضلالنا، وإخراجنا عن ديننا، وقالوا - أيضا - ﴿إِنَّا بِكُلٍّ﴾ أى بكل واحد مما جاءوا به ﴿كَافِرُونَ﴾ كفرا لا رجوع معه إلى ما جاء به هذان النبيان - عليهما الصلاة والسلام -.
قال الآلوسى : وقوله :﴿قَالُواْ﴾ استئناف مسوق لتقرير كفرهم المستفاد من الإنكار السابق، وبيان كيفيته، و ﴿سِحْرَانِ﴾، يعنون بهما ما أوتى نبينا وما أوتى موسى.. ﴿تَظَاهَرَا﴾ أى : تعاونا بتصديق كل واحد منهما الآخر، وتأييده إياه، وذلك أن أهل مكة بعثوا رهطا منهم إلى رؤساء اليهود فى عيد لهم، فسألوهم عن شأنه ﷺ فقالوا : إنا نجده فى التوارة بنعته وصفته، فلما رجع الرهط وأخبروهم بما قالت اليهود. قالوا ذلك.
وقرأ الأكثرون ﴿قَالُواْ ساحْرَانِ تَظَاهَرَا﴾ وأرادوا بهما محمد وموسى - عليهما الصلاة والسلام -.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى