إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود
عن الكتاب
﴿فَلَمَّا جَاءهُمُ﴾ أي أهلَ مكَّةَ ﴿الحق مِنْ عِندِنَا﴾ وهو القرآنُ المنزلُ عليهِ عليهِ الصَّلاة والسَّلام ﴿قَالُواْ﴾ تعنُّتاً واقتراحاً ﴿لَوْلا أُوتِىَ﴾ يعنونَه عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿مِثْلَ مَا أُوتِيَ موسى﴾ من الكتابِ المنزَّلِ جملةً وأمَّا اليدُ والعَصَا فلا تعلُّق لهما بالمقامِ كسائرِ معجزاتِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ. قولُه تعالى :﴿أَوَلَمْ يَكْفُرُواْ بِمَا أُوتِيَ موسى مِن قَبْلُ﴾ ردٌّ عليهم وإظهارٌ لكونِ ما قالُوه تعنُّتاً محضاً لا طلباً لما يُرشدهم إلى الحقِّ أي ألم يكفُروا من قبلِ هذا القولِ بما أُوتيَ موسى من الكتابِ كما كفرُوا بهذا الحقِّ. وقولُه تعالى :﴿قَالُواْ﴾ استئنافٌ مَسُوقٌ لتقريرِ كُفرِهم المستفادِ من الإنكارِ السَّابقِ وبيانِ كيفيَّتِه. وقولُه تعالى :﴿ساحران﴾ خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي هُما يعنونَ ما أُوتي محمدٌ وما أُوتي مُوسى عليهما السَّلام ساحرانِ ﴿تَظَاهَرَا﴾ أي تعاوَنا بتصديقِ كلِّ واحدٍ منهُما الآخرَ وذلك أنَّهم بَعثوا رهطاً منهم إلى رؤساءِ اليَّهودِ في عيدٍ لهم فسألُوهم عن شأنِه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ فقالُوا : إنَّا نجدُه في التَّوارةِ بنعتِه وصفتِه فلمَّا رجعَ الرَّهطُ وأخبرُوهم بما قالتِ اليَّهودُ قالُوا ذلكَ. وقولُه تعالى :﴿وَقَالُواْ إِنَّا بِكُلّ﴾ أي بكلِّ واحدٍ من الكتابينِ ﴿كافرون﴾ تصريحٌ بكفرِهم بهما وتأكيدٌ لكفرِهم المفهومِ من تسميتهما سحراً وذلك لغايةِ عُتوهم وتمادِيهم في الكفرِ والطُّغيانِ. وقرئ ساحرانِ تظاهَرا يعنون مُوسى ومحمَّداً صلَّى الله عليهما وسلم. هذا هُو الذي تستدعيهِ جَزالةُ النَّظمِ الجليلِ فتأمَّلْ ودَعْ عنكَ ما قيلَ وقيلَ.