التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
وقوله - تعالى - :﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلاَ فِي الأرض وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً..﴾ كلام مستأنف لتفصيل ما أجمله من النبأ.
وقوله ﴿عَلاَ فِي الأرض﴾ أى تكبر فيها وطغى، من العلو بمعنى الارتفاع. والمقصود أنه جاوز كل حد فى غروره وظلمه وعدوانه. والمراد بالأرض : أرض مصر وما يتبعها من بلاد.
و ﴿شِيَعاً﴾ جمع شيعة، وهم الأتباع والجماعات، وكل قوم اجتمعوا على أمر فهم شيعته.
أى : إن فرعون طغى وبغى وتجبر فى الأرض، وجعل أهلها شيعا وأتباعا له، وصار يستعمل كل طائفة منهم، فيما يريده من أمور دولته، فهذه الطائفة للبناء، وتلك للسحر، وثالثة لخدمته ومناصرته على ما يريد...
وجملة ﴿يَسْتَضْعِفُ طَآئِفَةً مِّنْهُمْ﴾ لبيان حال الذين جعلهم شيعا وأحزابا.
والمراد بهذه الطائفة : بنو إسرائيل.
أى : أنه بعد أن جعل أهل مملكته شيعا وأحزابا اختص طائفة منهم بالإذلال والقهر والظلم، فصار يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم. أى : يذبح الذكور من بنى إسرائيل بمجرد ولادتهم، ويترك الإناث أحياء.
قال الإمام الرازى ما ملخصه : وفى ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه :
أحدهما : أن ذبح الأبناء يقتضى فناء الرجال. وذلك يقتضى انقطاع النسل..
ثانيها : أن هلاك الذكور يقتضى فساد مصالح النساء فى المعيشة، فإن المرأة لتتمنى الموت إذا انقطع عنها تعهد الرجال.
ثالثها : أن قتل الذكور عقب الحمل الطويل، وتحمل الكد، والرجاء القوى فى الانتفاع به، من أعظم العذاب...
رابعها : أن بقاء النساء بدون الذكران من أقاربهن، يؤدى إلى صيرورتهن مستفرشات للأعداء، وذلك نهاية الذل والهوان.
قالوا : وإنما كان فرعون يذبح الذكور من بنى إسرائيل دون الإناث. لأن الكهنة أخبروه، بأن مولودا سيولد من بنى إسرائيل، يكون ذهاب ملك فرعون على يده.
وقوله - سبحانه - :﴿إِنَّهُ كَانَ مِنَ المفسدين﴾ تعليل وتأكيد لما كان عليه فرعون من تجبر وطغيان.
أى : إن فرعون كان من الراسخين فى الفساد والإفساد، ولذلك فعل ما فعل من ظلم لغيره، ومن تطاول جعله يقول للناس :﴿أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾

تفسير هذه الآية من كتب أخرى