جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى :﴿إِنّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلََكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَن يَشَآءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾.


يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ﷺ : إنّكَ يا محمد لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ هدايته ؛ وَلَكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ أن يهديه من خلقه ؛ بتوفيقه للإيمان به وبرسوله. ولو قيل : معناه : إنك لا تهدي من أحببته لقرابته منك، ولكن الله يهدي من يشاء ؛ كان مذهبا. وَهُوَ أعْلَمُ بالمُهْتَدِينَ : يقول جلّ ثناؤه : والله أعلم من سبق له في علمه أنه يهتدي للرشاد. ذلك الذي يهديه الله فيسدّده ويوفّقه.
وذُكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله ﷺ من أجل امتناع أبي طالب عمه من إجابته، إذ دعاه إلى الإيمان بالله، إلى ما دعاه إليه من ذلك.
ذكر الرواية بذلك :
حدثنا أبو كريب والحسين بن علي الصّدائي، قالا : حدثنا الوليد بن القاسم، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ لعمه عند الموت :«قُلْ لا إلَهَ إلاّ اللّهُ أشْهَدْ لَكَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ ». قال : لولا أن تعيّرني قريش لأقررت عينك ؛ فأنزل الله : إنّكَ لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ. . . الاَية.
حدثنا ابن بشار قال : حدثنا يحيى بن سعيد، عن يزيد بن كيسان، قال : ثني أبو حازم الأشجعي، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله ﷺ لعمه :«قُلْ لا إله إلاّ اللّهُ » ثم ذكر مثله.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا أبو أسامة، عن يزيد بن كيسان سمع أبا حازم الأشجعي يذكر عن أبي هريرة قال : لما حضرتْ وفاة أبي طالب، أتاه رسول الله ﷺ فقال :«يا عَمّاهُ ؛ قُلْ لا إلَهَ إلاّ اللّهُ » فذكر مثله ؛ إلاّ أنه قال : لولا أن تعيرني قريش، يقولون : ما حمله عليه إلاّ جزع الموت.
حدثنا ابن وكيع قال : حدثنا محمد بن عبيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال : قال النبيّ ﷺ. . . فذكر نحو حديث أبي كُرَيب الصدائي.
حدثنا أحمد بن عبد الرحمن بن وهب، قال : ثني عمي عبد الله بن وهب، قال : ثني يونس، عن الزهري قال : ثني سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ ؛ فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد الله بن أبي أُمّية بن المُغيرة ؛ فقال رسول الله ﷺ :«يا عَمّ ؛ قلْ لا إلَهَ إلاّ اللّهُ كَلِمَةً أشْهَدُ لَكَ بِها عِنْدَ اللّهِ ». فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أُمَيّة : يا أبا طالب ؛ أترغب عن ملّة عبد المطّلب ؟ فلم يزل رسول الله ﷺ يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم : هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول : لا إله إلاّ الله. فقال رسول الله ﷺ :«أما وَاللّهِ لأَسْتَغْفرَنّ لَكَ ما لَمْ أُنْهَ عَنْكَ » ؛ فأنزل الله : ما كانَ للنّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا أنْ يَسْتَغْفرُوا للْمُشْرِكينَ وَلَوْ كانُوا أُولي قُرْبَى، وأنزل الله في أبي طالب ؛ فقال لرسول الله ﷺ : إنّك لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ وَلَكِنّ اللّهَ يَهْدِي. . . الاَية.
حدثنا محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، بنحوه.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن عيينة، عن عمرو، عن أبي سعيد بن رافع، قال : قلت لابن عمر : إنّكَ لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ نزلت في أبي طالب ؟ قال : نعم.
حدثني محمد بن عمرو قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : قوله إنّكَ لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ قال : قول محمد لأبي طالب :«قُلْ كَلِمةَ الإخْلاصِ أُجادِلُ عَنْكَ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ». قال محمد بن عمرو في حديثه : قال : يا ابن أخي ؛ ملة الأشياخ-أو سنة الأشياخ- وقال الحارث في حديثه : قال : يا ابن أخي ؛ ملة الأشياخ.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد : إنّكَ لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ. قال : قال محمد لأبي طالب :«اشْهَدْ بكَلمَةِ الإخْلاصِ أُجادِلْ عَنْكَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ ». قال : أي ابن أخي ؛ ملة الأشياخ. فأنزل الله : إنّكَ لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ. قال : نزلت هذه الاَية في أبي طالب.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قوله : إنّكَ لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ : ذُكر لنا أنها نزلت في أبي طالب. قال الأصم : عند موته يقول لا إله إلاّ الله لكيما تحلّ له بها الشفاعة فأبى عليه.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن عطاء، عن عامر : لما حضر أبا طالب الموت قال له النبيّ ﷺ :«يا عَمّاهُ ؛ قُلْ لا إلَهَ إلاّ اللّهُ أشْهَدُ لَكَ بِها يَوْمَ القِيامَةِ » ؛ فقال له : يا ابن أخي ؛ إنه لولا أن يكون عليك عار لم أبال أن أفعل. فقال له ذلك مرارا. فلما مات اشتدّ ذلك على النبيّ ﷺ، وقالوا : ما تنفع قرابة أبي طالب منك ؛ فقال :« بَلى ؛ والّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنّه السّاعَةَ لَفِي ضَحْضَاحٍ مِنَ النّارِ عَلَيْهِ نَعْلان مِنْ نارٍ تَغْلِي مِنْهُما أُمّ رأسه. وما مِنْ أهْلِ النّارِ مِنْ إنْسانٍ هُوَ أهْوَنُ عَذَابا مِنْهُ ؛ وَهُوَ الّذِي أنْزَلَ اللّهُ فِيهِ : إنّكَ لا تَهْدِي مَنْ أحْبَبْتَ، وَلَكِنّ اللّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ، وَهُوَ أعْلَمُ بالمُهْتَدِينَ ».
وقوله : وَهُوَ أعْلَمُ بالمُهْتَدِينَ. يقول : وهو أعلم بمن قضى له الهدى. كالذي حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قوله : وَهُوَ أعْلَمُ بالمُهْتَدِينَ : قال : بمن قدّر له الهدى والضلالة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد، مثله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى