غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراآت :﴿سحران﴾ عاصم وحمزة وعلي وخلف. الآخرون ﴿ساحران تظاهرا﴾ بالتخفيف اتفاقاً ﴿تجبى إليه﴾ بتاء التأنيث : أبو جعفر ونافع وسهل ويعقوب. الباقون على التذكير ﴿يعقلون﴾ بياء الغيبة، شجاع واليزيدي الباقون بتاء الخطاب إلا أبا عمرو فإنه مخير ﴿ثم هو﴾ بسكون الهاء علي والحلواني عن قالون ﴿تبرأنا﴾ مثل ﴿أنشأنا﴾.
الوقوف :﴿يتذكرون﴾ ٥ ﴿الشاهدين﴾ ٥ لا للاستدراك ﴿العمر﴾ ج لاختلاف الجملتين مع العطف ﴿آياتنا﴾ ج لما مر ﴿مرسلين﴾ ٥ ﴿يتذكرون﴾ ٥ ﴿المؤمنين﴾ ٥ ﴿ما أوتي موسى﴾ ط ﴿من قبل﴾ ج للفصل بين الخبر والطلب مع اتحاد القائل ﴿تظاهرا﴾ ج للتعجب من عنادهم ﴿كافرون﴾ ٥ ﴿صادقين﴾ ٥ ﴿أهواءهم﴾ ط ﴿من الله﴾ ط ﴿الظالمين﴾ ٥ ﴿يتذكرون﴾ ٥ لأن ﴿الذين﴾ مبتدأ ﴿يؤمنون﴾ ٥ ﴿مسلمين﴾ ٥ ﴿ينفقون﴾ ٥ ﴿أعمالكم﴾ ط لابتداء الكلام مع اتحاد المقول ﴿عليكم﴾ ط لذلك ﴿الجاهلين﴾ ٥ ﴿من يشاء﴾ ط لعطف الجملتين المتفقتين ﴿بالمهتدين﴾ ٥ ﴿أرضنا﴾ ط ﴿لا يعلمون﴾ ٥ ﴿معيشتها﴾ ج للفصل بين الاستفهام والإخبار مع فاء التعقيب ﴿قليلاً﴾ ط ﴿الوارثين﴾ ٥ ﴿آياتنا﴾ ج للعدول مع اتفاق الجملتين ﴿ظالمون﴾ ٥ ﴿وزينتها﴾ ج فصلاً بين المعنيين المتضادّين ﴿وأبقى﴾ ط ﴿تعقلون﴾ ٥ ﴿المحضرين﴾ ٥ ﴿تزعمون﴾ ٥ ﴿أغوينا﴾ ج ﴿غوينا﴾ ج لعدم العاطف مع اتحاد القائل ﴿إليك﴾ ج لما قلنا مع زيادة النفي المقتضى للفصل ﴿يعبدون﴾ ٥ ﴿العذاب﴾ ج لجواز تعلق " لو " بمحذوف أي لو اهتدوا لما لقوا ما لقوا، ويجوز تعلقها بـ ﴿يهتدون﴾ والوقف على ﴿لهم﴾ أي لو كانوا يهتدون لرأوا العذاب بقلوبهم ﴿يهتدون﴾ ٥ ﴿المرسلين﴾ ٥ ﴿لا يتساءلون﴾ ٥ ﴿المفلحين﴾ ٥ ﴿ويختار﴾ ز وقد يوصل على معنى ويختار الذي كان لهم فيه الخيرة وفيه بعد ﴿الخيرة﴾ ٥ ﴿يشركون﴾ ٥ ﴿يعلنون﴾ ٥ ﴿إلا هو﴾ ط ﴿والآخرة﴾ ز لعطف الجمل ﴿ترجعون﴾ ٥.
وحيث بين أن وضوح الدلائل لا يكفي ما لم ينضم إليه هداية الله سبحانه حكى عنهم شبهة أخرى متعلقة بالدنيا وذلك أنهم :﴿قالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا﴾ يروى أن الحرث بن عثمان بن نوفل بن عبد مناف قال لرسول الله ﷺ : أنا لنعلم أن الذي تقوله حق ولكن يمنعنا من ذلك أن تسلبنا العرب بسرعة أي يجتمعون على محاربتنا ويخرجوننا، فأجاب الله سبحانه عن شبهتهم بقوله ﴿أولم نمكن لهم حرماً آمناً﴾ يروى أن العرب كانوا يشتغلون بالنهب والغارة خارج الحرم وما كانوا يتعرضون ألبتة لسكان الحرم وقد زاد الله حرمته بقوله ﴿ومن دخله كان آمناً﴾
[آل عمران: ٩٧] وبين مزيته بقوله ﴿يجبى إليه ثمرات كل شيء﴾ قالوا : الكل ههنا بمعنى الأكثر. قلت : يحتمل أن يكون على أصله. وانتصب ﴿رزقاً﴾ على أنه مصدر لأن ﴿يجبى﴾ بمعنى يرزق، أو على أنه مفعول لأجله. وإن جعلته بمعنى مرزوق كان حالاً من الثمرات لتخصصها بالإضافة. وحاصل الجواب أنه لما جعل الحرم آمناً وأكثر فيه الرزق حال كونهم معرضين عن عبادة الله تعالى مقبلين على عبادة الأوثان، فبقاء هذه الحالة مع الإيمان أولى. ولا يخفى أن التخطف على تقدير وقوعه لا يصلح عذراً لعدم الإيمان فإن درجة الشهادة أعلى وأجل، ومضرة التخطف أهون من العقاب الدائم إلا أنه تعالى احتج عليهم بما هو معلوم من عادة العرب وهو أنهم كانوا لا يتعرضون لقطان الحرم والأمر البين للحس أولى بأن يفحم به الخصم فلذلك قدمه الله تعالى. وفي الآية دلالة على صحة المحاجة. لإزالة شبهة المبطلين. قالت الأشاعرة : الأرزاق إنما تصل إليهم على أيدي الناس وقد أضاف الرزق إلى نفسه فدل ذلك على أن أفعال العباد مستندة إلى الله. ومن تأمل في الآية علم أن العبد يجب أن لا يخاف ولا يرجو إلا من الله.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿ولقد آتينا موسى﴾ القلب مقام القرب والوحي والمكالمة وكشف العلوم بعد هلاك فرعون النفس وصفاتها ﴿لعلهم يتذكرون﴾ إذ كانوا في عالم الأرواح مستمعين خطاب ﴿ألست بربكم﴾ [الأعراف: ١٧٢] ﴿وما كنت﴾ في غرب العدم بل كنت في شرق الوجود في عالم الأرواح ﴿إذ قضينا إلى موسى﴾ أمر اتخاذ العهد منه أن يؤمن بك كقوله ﴿وإذ أخذ الله ميثاق النبيين﴾ [آل عمران: ٨١] وما كنت في عالم الشهادة ﴿ولكنا أنشأنا قروناً﴾ في عالم الشهادة ﴿فتطاول عليهم العمر﴾ فاحتجوا بالنفس وصفاتها ونسوا تلك العهود والمواثيق ﴿وما كنت﴾ مقيماً ﴿في أهل مدين﴾ كشعيب وموسى، إذ أخذت منهما الميثاق أن يؤمنا بك ﴿ولكنا كنا مرسلين﴾ للرسل الذين أخذنا الميثاق منهم. ولولا أن تصيبهم التقدير، ولولا أن مقتضى العناية الأزلية في حق هذه الأمة ودفع حجتهم علينا فإنا ناديناهم وهم في العدم فأسمعناهم نداءنا ولم نوفقهم للإِجابة ﴿فلما جاءهم الحق﴾ يعني محمداً. وفي أن له رتبة أن يقول أنا الحق لفنائه عن نفسه بالكلية وبقائه بربه وكل من سواه فليس له أن يقول ذلك إلا بطريق المتابعة ﴿لولا أوتي مثل ما أوتي﴾ لو لم يكونوا محتجبين بكفرهم عن رؤية كماله لقالوا : لولا أوتي مثل ما أوتي محمد من مقام المحبة ومقام لي مع الله وقت ﴿بكتاب من عند الله هو أهدى منهما﴾ يعني الكتاب المشتمل على العلم اللدني فإنه أهدى إلى الحضرة من الكتب الموقوفة على السماع والمطالعة، ومن لم تكن له هذه الرتبة فإنه محجوب عن الحضرة بهوى نفسه كما قال ﴿فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم﴾ ﴿الذين آتيناهم﴾ حقيقة ﴿الكتاب﴾ في عالم الرواح ﴿من قبل﴾ نزوله في عالم الأشباح ﴿هم به يؤمنون﴾ في عالم الصورة ولهذا قالوا ﴿إنا كنا من قبله مسلمين﴾ ولذلك قال ﴿يؤتون أجرهم مرتين﴾ أي في العالمين ﴿بما صبروا﴾ على مخالفات الهوى وموافقات الشرع ﴿ويدرءون﴾ بالأعمال الصالحات ظلمة المعاصي، أو بحسنة الذكر صدأ حب الدنيا عن مرآة القلوب، أو بحسنة نفي ما سوى الله شرك الوجود المجازي ﴿ومما رزقناهم﴾ من الوجود المجازي ﴿ينفقون﴾ في طلب الوجود الحقيقي :﴿وإذا سمعوا اللغو﴾ وهو طلب ما سوى الله ﴿أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا﴾ في طلب الوجود الحقيقي ﴿ولكم أعمالكم﴾ في طلب الفاني ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾ وذلك أن للقلب بابين : أحدهما إلى النفس والجسد وهو مفتوح أبدا، والآخر إلى الروح والحضرة وهو مغلوق لا يفتحه إلا الفتاح الذي بيده كل مفتاح كما قال ﴿أم على قلوب أقفالها﴾ [محمد: ٢٤] وقال :
﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾ [الفتح: ١] ﴿وهو أعلم بالمهتدين﴾ الذين أصابهم رشاش النور ﴿وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف﴾ بجذبات الألوهية من أرض الأنانية ﴿أو لم نمكن لهم حرماً آمناً﴾ في مقام الهوية ﴿يجبى إليه ثمرات﴾ حقائق ﴿كل شيء رزقاً﴾ من العلوم اللدنية ﴿ولكن أكثرهم لا يعلمون﴾ ذوق العلم اللدني ﴿لم تسكن من بعدهم إلا قليلاً﴾ أي لم تسكن في قرى القلوب الفاسد استعدادها ﴿إلا قليلاً﴾ من نور الإسلام بعبور الخواطر الروحانية في الأحايين ﴿وكنا نحن الوارثين﴾ بأن رجع نور الإسلام إلى الحضرة بعد فساد الاستعداد ﴿حتى يبعث في أمها﴾ أي روحها لأن القلب من متولدات الروح ﴿رسولاً﴾ من وارد نفحات الحق الوعد الحسن للعوام الجنة، وللخواص الرؤية وللأخص الوصول والوصال كما أوحى إلى عيسى " تجوّع ترني تجرد تصل إلي " ﴿أغويناهم كما غوينا﴾ راعوا طريقة الأدب ولم يقولوا كما أغويتنا مثل ما قال إبليس ﴿فبما أغويتني﴾[الأعراف: ١٦] أي ﴿أغويناهم﴾ بتقديريك ﴿كما أغوينا﴾ بقضائك وهذا من خصوصية تكريم بني آدم بحفظ البعداء طريقة الأدب كما يحفظها أهل القرب على بساط الكرامة ﴿ورأوا العذاب﴾ يعني ﴿لو كانوا يهتدون﴾ لرأوا عذاب الفطام عن المألوفات والشهوات والله أعلم بالخفيات.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى