الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري
عن الكتاب
﴿الذين حَقَّ عَلَيْهِمُ القول﴾ الشياطين أو أئمة الكفر ورؤوسه. ومعنى حق عليهم القول : وجب عليهم مقتضاه وثبت، وهو قوله :﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [هود: ١١٩]، [السجدة: ١٣] و ﴿هَؤُلاءِ﴾ مبتدأ، و ﴿الذين أَغْوَيْنَا﴾ صفته، والراجع إلى الموصول محذوف، و ﴿أغويناهم﴾ الخبر، والكاف صفة مصدر محذوف، تقديره : أغويناهم، فغووا غيا مثل ما غوينا، يعنون : أنا لم نغو إلا باختيارنا، لا أن فوقنا مغوين أغوونا بقسر منهم وإلجاء. أو دعونا إلى الغيّ وسوّلوه لنا، فهؤلاء كذلك غووا باختيارهم ؛ لأن إغواءنا لهم لم يكن إلا وسوسة وتسويلاً لا قسراً وإلجاء، فلا فرق إذاً بين غينا وغيهم. وإن كان تسويلنا داعياً لهم إلى الكفر، فقد كان في مقابلته دعاء الله لهم إلى الإيمان بما وضع فيهم من أدلة العقل، وما بعث إليهم من الرسل وأنزل عليهم من الكتب المشحونة بالوعد والوعيد والمواعظ والزواجر، وناهيك بذلك صارفاً عن الكفر وداعياً إلى الإيمان، وهذا معنى ما حكاه الله عن الشيطان ﴿إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى فَلاَ تلوموني ولوموا أنفسكم﴾ [إبراهيم: ٢٢] والله تعالى قدّم هذا المعنى أوّل شيء، حيث قال لإبليس ﴿إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين﴾ [الحجر: ٤٢]. ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيْكَ﴾ منهم وما اختاروه من الكفر بأنفسهم، هوى منهم للباطل ومقتاً للحق، لا بقوّة منا على استكراههم ولا سلطان ﴿مَا كَانُواْ إِيَّانَا يَعْبُدُونَ﴾ إنما كانوا يعبدون أهواءهم ويطيعون شهواتهم. وإخلاء الجملتين من العاطف، لكونهما مقرّرتين لمعنى الجملة الأولى.