التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم بين - سبحانه - أن مرد الأمور جميعها إليه، وأنه هو صاحب الخلق والأمر فقال :﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ﴾.
أى : وربك - أيها الرسول الكريم - يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويختار من يختار من عباده لحمل رسالته، ولتبليغ دعوته. ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ و ﴿مَا﴾ فى قوله - تعالى ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة﴾ نافية والخيرة من التخير وهى بمعنى الاختيار، والجملة مؤكدة لما قبلها من أنه - سبحانه - يخلق ما يشاء ويختار.
أى : وربك وحده يخلق ما يشاء خلقه ويختار ما يشاء اختياره لشئون عباده، وما صح وما استقام لهؤلاء المشركين أن يختاروا شيئا لم يختره الله - تعالى - أو لم يرده، إذ كل شىء فى هذا الوجود خاضع لإرادته وحده - عز وجل - ولا يملك أحد كائنا من كان أن يقترح عليه شيئا ولا أن يزيد أو ينقص فى خلقه شيئا.
وليس هؤلاء المشركين أن يختاروا للنبوة أو لغيرها أحدا لم يختره الله - تعالى - لذلك، فالله -عز وجل - أعلم حيث يجعل رسالته.
قال القرطبى ما ملخصه : قوله ﴿مَا كَانَ لَهُمُ الخيرة﴾ أى : ليس يرسل من اختاروه هم.
وقيل : يجوز أن تكون ﴿مَا﴾ فى موضع نصب بيختار، ويكون المعنى، ويختار الذى كان لهم فيه الخيرة.
والصحيح الأول لإطباقهم الوقف على قوله ﴿وَيَخْتَارُ﴾، و ﴿مَا﴾ نفى عام لجميع الأشياء، أن يكون للعبد فيها شىء سوى اكتسابه بقدرة الله - عز وجل -.
وقال الثعلبى : و ﴿مَا﴾ نفى، أى ليس لهم الاختيار على الله. وهذا أصوب، كقوله - تعالى - :﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلاَ مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الخيرة مِنْ أَمْرِهِمْ..﴾ وقوله - تعالى - :﴿سُبْحَانَ الله وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ تنزيه له - عز وجل - عن الشرك والشركاء.
أى تنزه الله - تعالى - وتقدس بذاته وصفاته عن إشراك المشركين، وضلال الضالين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى