جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿إِنّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىَ فَبَغَىَ عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَآ إِنّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُوْلِي الْقُوّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لاَ تَفْرَحْ إِنّ اللّهَ لاَ يُحِبّ الْفَرِحِينَ﴾.
يقول تعالى ذكره : إنّ قارُونَ وهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى يقول : كان من عشيرة موسى بن عمران النبيّ ﷺ، وهو ابن عمه لأبيه وأمه، وذلك أن قارون هو قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى : هو موسى بن عمران بن قاهث، كذا نسبه ابن جُرَيج.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله : إنّ قارُونَ كانَ مِنْ قَومِ مُوسَى قال : ابن عمه ابن أخي أبيه، فإن قارون بن يصفر، هكذا قال القاسم، وإنما هو يصهر بن قاهث، وموسى بن عومر بن قاهث، وعومر بالعربية : عمران. وأما ابن إسحاق فإن ابن حميد.
حدثنا، قال : حدثنا سلمة عنه، أن يصهر بن قاهث تزوّج سميت بنت بتاويت بن بركنا بن بقشان بن إبراهيم، فولدت له عمران بن يصهر، وقارون بن يصهر، فنكح عمران بخنت بنت شمويل بن بركنا بن بقشان بن بركنا، فولدت له هارون بن عمران، وموسى بن عمران صفيّ الله ونبيه فموسى على ما ذكر ابن إسحاق ابن أخي قارون، وقارون هو عمه أخو أبيه لأبيه ولأمه. وأكثر أهل العلم في ذلك على ما قاله ابن جُرَيج. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا جابر بن نوح، قال : أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم، في قوله : إنّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى قال : كان ابن عمّ موسى.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن سماك بن حرب، قال : حدثنا سعيد عن قَتادة إنّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى : كنا نحدّث أنه كان ابن عمه أخي أبيه، وكان يسمى المنوّر من حُسن صوته بالتوراة، ولكن عدوّ الله نافق، كما نافق السامريّ، فأهلكه البغي.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن سماك، عن إبراهيم إنّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى قال كان ابن عمه فبغى عليه.
قال : ثنا يحيى القطان، عن سفيان، عن سماك، عن إبراهيم، قال : كان قارون ابن عمّ موسى.
قال : ثنا أبو معاوية، عن ابن أبي خالد، عن إبراهيم إنّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى قال : كان ابن عمه.
حدثني بشر بن هلال الصوّاف، قال : حدثنا جعفر بن سليمان الضّبَعِيّ، عن مالك بن دينار، قال : بلغني أن موسى بن عمران كان ابن عمّ قارون.
وقوله : فَبَغَى عَلَيْهِمْ يقول : فتجاوز حدّه في الكبر والتجبر عليهم.
وكان بعضهم يقول : كان بغيه عليهم زيادة شبر أخذها في طول ثيابه. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ بن سعيد الكنديّ وأبو السائب وابن وكيع قالوا : حدثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن شَهِر بن حَوْشب إنّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ قال : زاد عليهم في الثياب شبرا.
وقال آخرون : كان بغيه عليهم بكثرة ماله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قال : إنما بغى عليهم بكثرة ماله.
وقوله : وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ أُولى القُوّةِ يقول تعالى ذكره : وآتينا قارون من كنوز الأموال ما إن مفاتحه، وهي جمع مفتح، وهو الذي يفتح به الأبواب.
وقال بعضهم : عنى بالمفاتح في هذا الموضع : الخزائن لتُثْقِل العصبة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ما قلنا في معنى مفاتح :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا جابر بن نوح، قال : أخبرنا الأعمش، عن خيثمة، قال : كانت مفاتح قارون تحمل على ستين بغلاً، كلّ مفتاح منها باب كنز معلوم مثل الأُصبُع من جلود.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن الأعمش، عن خيثمة، قال : كانت مفاتح كنوز قارون من جلود كل مفتاح مثل الأصبع، كل مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حملت المفاتيح على ستين بغلاً أغرّ محّجل.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن خيثمة، في قوله ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوء بالعُصْبَةِ أُولى القُوّةِ قال : نجد مكتوبا في الإنجيل مفاتح قارون وِقر ستين بغلاً غرّا محجلة، ما يزيد كل مفتاح منها على أصبع، لكل مفتاح منها كنز.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن عيينة، عن حميد، عن مجاهد، قال : كانت المفاتح من جلود الإبل.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد وآتَيْناهُ مِن الكُنُوزِ ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ قال : مفاتح من جلود كمفاتح العيدان.
وقال قوم : عنى بالمفاتح في هذا الموضع : خزائنه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيت، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، في قوله : ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ قال : كانت خزائنه تحمل على أربعين بغلاً.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن أبي حجيرَ، عن الضحاك ما إنّ مَفاتِحَهُ قال : أوعيته.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا جابر بن نوح، قال : حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك عن ابن عباس، في قوله : لَتَنُوء بالعُصْبَةِ قال : لتثقل بالعصبة.
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ يقول : تَثْقُل. وأما العُصبة فإنها الجماعة.
واختلف أهل التأويل في مبلغ عددها الذي أريد في هذا الموضع فأما مبلغ عدد العصبة في كلام العرب فقد ذكرناه فيما مضى باختلاف المختلفين فيه، والرواية في ذلك، والشواهد على الصحيح من قولهم في ذلك بما أغني عن إعادته في هذا الموضع، فقال بعضهم : كانت مفاتحه تنوء بعصبة مبلغ عددها أربعون رجلاً. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، قوله : لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ قال : أربعون رجلاً.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد عن قَتادة لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ قال : ذكر لنا أن العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ أُولى القُوّةِ : يزعمون أن العصبة أربعون رجلاً، ينقلون مفاتحه من كثرة عددها.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ أُولى القُوّةِ قال : أربعون رجلاً.
وقال آخرون : ستون، وقال : كانت مفاتحه تحمل على ستين بغلاً.
حدثنا كذلك ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن الأعمش، عن خيثمة.
وقال آخرون : كانت تحمل على ما بين ثلاثة إلى عشرة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جابر بن نوح، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ قال : العصبة : ثلاثة.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا جابر بن نوح، قال : حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ قال : العصبة : ما بين الثلاثة إلى العشرة.
وقال آخرون : كانت تحمل ما بين عشرة إلى خمسة عشرة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ قال : العُصْبة : ما بين العشرة إلى الخمسة عشر.
حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد لَتَنُوءُ بالعُصْبَة قال : العصبة : خمسة عشر رجلاً.
وقوله : أُولى القُوّةِ يعني : أولى الشدّة. وقال مجاهد في ذلك ما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أُولى القُوّةِ قال : خمسةَ عَشَر.
فإن قال قائل : وكيف قيل وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ وكيف تنوء المفاتح بالعصبة، وإنما العصبة هي التي تنوء بها ؟ قيل : اختلف في ذلك أهل العلم بكلام العرب، فقال بعض أهل البصرة : مجاز ذلك : ما إن العصبة ذوي القوّة لتنوء بمفاتح نعمه. قال : ويقال في الكلام : إنها لتنوء بها عجيزتها، وإنما هو : تنوء بعجيزتها كما ينوء البعير بحمله، قال : والعرب قد تفعل مثل هذا. قال الشاعر :
والمعنى : فديت بنفسي وبمالي نفسه.
وقال آخر :
وإنما تشقى الضياطرة بالرماح. قال : والخيل هاهنا : الرجال.
وقال آخر منهم ما إنّ مَفاتِحَهُ قال : وهذا موضع لا يكاد يبتدأ فيه «إن »، وقد قال : إن الموت الذي تفرّون منه فإنه ملاقيكم. وقوله : لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ إنما العصبة تنوء بها وفي الشعر :
*** تَنُوءُ بِها فَتُثْقِلُها عَجِيزَتُها ***
وليست العجيزة تنوء بها، ولكنها هي تنوء بالعجيزة وقال الأعشى :
وكان بعض أهل العربية من الكوفيين يُنكر هذا الذي قاله هذا القائل، وابتداء إن بعد ما، ويقول : ذلك جائز مع وما من، وهو مع ما ومَنْ أجود منه مع الذي، لأن الذي لا يعمل في صلته، ولا تعمل صلته فيه، فلذلك جاز، وصارت الجملة عائد «ما »، إذ كانت لا تعمل في «ما »، ولا تعمل «ما » فيها قال : وحَسُن مع «ما » و «من »، لأنهما يكونان بتأويل النكرة إن شئت، والمعرفة إن شئت، فتقول : ضربت رجلاً ليقومنّ، وضربت رجلاً إنه لمحسن، فتكون «مَنْ و ما » تأويل هذا، ومع «الذي » أقبح، لأنه لا يكون بتأويل النكرة.
وقال آخر منهم في قوله : لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ : نَوْءُها بالعصبة : أن تُثْقلهم وقال : المعنى : إن مفاتحه لتنيءُ العصبة : تميلهن من ثقلها، فإذا أدخلت الباء قلت : تَنُوء بهم، كما قال : آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرَا قال والمعنى : آتوني بقطر أفرغ عليه فإذا حُذفت الباء، زدت على الفعل ألفا في أوّله ومثله : فأجاءَها المَخاضُ معناه : فجاء بها المخاض وقال : قد قال رجل من أهل العربية : ما إن العصبة تَنُوء بمفاتحه، فحوّل الفعل إلى المفاتح، كما قال الشاعر :
وهو الذي يحلَى بالعين، قال : فإن كان سمع أثرا بهذا، فهو وجه، وإلاّ فإن الرجل جهل المعنى. قال : وأنشدني بعض العرب :
يقول تعالى ذكره : إنّ قارُونَ وهو قارون بن يصهر بن قاهث بن لاوي بن يعقوب كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى يقول : كان من عشيرة موسى بن عمران النبيّ ﷺ، وهو ابن عمه لأبيه وأمه، وذلك أن قارون هو قارون بن يصهر بن قاهث، وموسى : هو موسى بن عمران بن قاهث، كذا نسبه ابن جُرَيج.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، قوله : إنّ قارُونَ كانَ مِنْ قَومِ مُوسَى قال : ابن عمه ابن أخي أبيه، فإن قارون بن يصفر، هكذا قال القاسم، وإنما هو يصهر بن قاهث، وموسى بن عومر بن قاهث، وعومر بالعربية : عمران. وأما ابن إسحاق فإن ابن حميد.
حدثنا، قال : حدثنا سلمة عنه، أن يصهر بن قاهث تزوّج سميت بنت بتاويت بن بركنا بن بقشان بن إبراهيم، فولدت له عمران بن يصهر، وقارون بن يصهر، فنكح عمران بخنت بنت شمويل بن بركنا بن بقشان بن بركنا، فولدت له هارون بن عمران، وموسى بن عمران صفيّ الله ونبيه فموسى على ما ذكر ابن إسحاق ابن أخي قارون، وقارون هو عمه أخو أبيه لأبيه ولأمه. وأكثر أهل العلم في ذلك على ما قاله ابن جُرَيج. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا جابر بن نوح، قال : أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن إبراهيم، في قوله : إنّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى قال : كان ابن عمّ موسى.
حدثنا ابن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، قال : حدثنا سفيان، عن سماك بن حرب، قال : حدثنا سعيد عن قَتادة إنّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى : كنا نحدّث أنه كان ابن عمه أخي أبيه، وكان يسمى المنوّر من حُسن صوته بالتوراة، ولكن عدوّ الله نافق، كما نافق السامريّ، فأهلكه البغي.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن سماك، عن إبراهيم إنّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى قال كان ابن عمه فبغى عليه.
قال : ثنا يحيى القطان، عن سفيان، عن سماك، عن إبراهيم، قال : كان قارون ابن عمّ موسى.
قال : ثنا أبو معاوية، عن ابن أبي خالد، عن إبراهيم إنّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى قال : كان ابن عمه.
حدثني بشر بن هلال الصوّاف، قال : حدثنا جعفر بن سليمان الضّبَعِيّ، عن مالك بن دينار، قال : بلغني أن موسى بن عمران كان ابن عمّ قارون.
وقوله : فَبَغَى عَلَيْهِمْ يقول : فتجاوز حدّه في الكبر والتجبر عليهم.
وكان بعضهم يقول : كان بغيه عليهم زيادة شبر أخذها في طول ثيابه. ذكر من قال ذلك :
حدثني عليّ بن سعيد الكنديّ وأبو السائب وابن وكيع قالوا : حدثنا حفص بن غياث، عن ليث، عن شَهِر بن حَوْشب إنّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ قال : زاد عليهم في الثياب شبرا.
وقال آخرون : كان بغيه عليهم بكثرة ماله. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قَتادة، قال : إنما بغى عليهم بكثرة ماله.
وقوله : وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ أُولى القُوّةِ يقول تعالى ذكره : وآتينا قارون من كنوز الأموال ما إن مفاتحه، وهي جمع مفتح، وهو الذي يفتح به الأبواب.
وقال بعضهم : عنى بالمفاتح في هذا الموضع : الخزائن لتُثْقِل العصبة. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ما قلنا في معنى مفاتح :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا جابر بن نوح، قال : أخبرنا الأعمش، عن خيثمة، قال : كانت مفاتح قارون تحمل على ستين بغلاً، كلّ مفتاح منها باب كنز معلوم مثل الأُصبُع من جلود.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن الأعمش، عن خيثمة، قال : كانت مفاتح كنوز قارون من جلود كل مفتاح مثل الأصبع، كل مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حملت المفاتيح على ستين بغلاً أغرّ محّجل.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن خيثمة، في قوله ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوء بالعُصْبَةِ أُولى القُوّةِ قال : نجد مكتوبا في الإنجيل مفاتح قارون وِقر ستين بغلاً غرّا محجلة، ما يزيد كل مفتاح منها على أصبع، لكل مفتاح منها كنز.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا ابن عيينة، عن حميد، عن مجاهد، قال : كانت المفاتح من جلود الإبل.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد وآتَيْناهُ مِن الكُنُوزِ ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ قال : مفاتح من جلود كمفاتح العيدان.
وقال قوم : عنى بالمفاتح في هذا الموضع : خزائنه. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيت، قال : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، في قوله : ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ قال : كانت خزائنه تحمل على أربعين بغلاً.
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن أبي حجيرَ، عن الضحاك ما إنّ مَفاتِحَهُ قال : أوعيته.
وبنحو الذي قلنا في معنى قوله : لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا جابر بن نوح، قال : حدثنا أبو رَوْق، عن الضحاك عن ابن عباس، في قوله : لَتَنُوء بالعُصْبَةِ قال : لتثقل بالعصبة.
حدثني عليّ، قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية، عن عليّ، عن ابن عباس، قوله لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ يقول : تَثْقُل. وأما العُصبة فإنها الجماعة.
واختلف أهل التأويل في مبلغ عددها الذي أريد في هذا الموضع فأما مبلغ عدد العصبة في كلام العرب فقد ذكرناه فيما مضى باختلاف المختلفين فيه، والرواية في ذلك، والشواهد على الصحيح من قولهم في ذلك بما أغني عن إعادته في هذا الموضع، فقال بعضهم : كانت مفاتحه تنوء بعصبة مبلغ عددها أربعون رجلاً. ذكر من قال ذلك :
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا هشيم، عن إسماعيل بن سالم، عن أبي صالح، قوله : لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ قال : أربعون رجلاً.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد عن قَتادة لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ قال : ذكر لنا أن العصبة ما بين العشرة إلى الأربعين.
حُدثت عن الحسين، قال : سمعت أبا معاذ يقول : أخبرنا عبيد، قال : سمعت الضحاك يقول في قوله : لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ أُولى القُوّةِ : يزعمون أن العصبة أربعون رجلاً، ينقلون مفاتحه من كثرة عددها.
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله : وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ أُولى القُوّةِ قال : أربعون رجلاً.
وقال آخرون : ستون، وقال : كانت مفاتحه تحمل على ستين بغلاً.
حدثنا كذلك ابن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن الأعمش، عن خيثمة.
وقال آخرون : كانت تحمل على ما بين ثلاثة إلى عشرة. ذكر من قال ذلك :
حدثنا ابن وكيع، قال : حدثنا جابر بن نوح، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ قال : العصبة : ثلاثة.
حدثنا أبو كُرَيب، قال : حدثنا جابر بن نوح، قال : حدثنا أبو روق، عن الضحاك، عن ابن عباس لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ قال : العصبة : ما بين الثلاثة إلى العشرة.
وقال آخرون : كانت تحمل ما بين عشرة إلى خمسة عشرة. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، في قول الله : ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ قال : العُصْبة : ما بين العشرة إلى الخمسة عشر.
حدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جُرَيج، عن مجاهد لَتَنُوءُ بالعُصْبَة قال : العصبة : خمسة عشر رجلاً.
وقوله : أُولى القُوّةِ يعني : أولى الشدّة. وقال مجاهد في ذلك ما :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح عن مجاهد أُولى القُوّةِ قال : خمسةَ عَشَر.
فإن قال قائل : وكيف قيل وآتَيْناهُ مِنَ الكُنُوزِ ما إنّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ وكيف تنوء المفاتح بالعصبة، وإنما العصبة هي التي تنوء بها ؟ قيل : اختلف في ذلك أهل العلم بكلام العرب، فقال بعض أهل البصرة : مجاز ذلك : ما إن العصبة ذوي القوّة لتنوء بمفاتح نعمه. قال : ويقال في الكلام : إنها لتنوء بها عجيزتها، وإنما هو : تنوء بعجيزتها كما ينوء البعير بحمله، قال : والعرب قد تفعل مثل هذا. قال الشاعر :
| فَدَيْتُ بِنَفْسِهِ نَفْسِي وَمالي | وما آلُوكَ إلاّ ما أُطِيقُ |
وقال آخر :
| وَتَرْكَبُ خَيْلاً لا هَوَادَةَ بَيْنَها | وَتَشْقَى الرّماحُ بالضّياطِرَةِ الحُمْرِ |
وقال آخر منهم ما إنّ مَفاتِحَهُ قال : وهذا موضع لا يكاد يبتدأ فيه «إن »، وقد قال : إن الموت الذي تفرّون منه فإنه ملاقيكم. وقوله : لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ إنما العصبة تنوء بها وفي الشعر :
*** تَنُوءُ بِها فَتُثْقِلُها عَجِيزَتُها ***
وليست العجيزة تنوء بها، ولكنها هي تنوء بالعجيزة وقال الأعشى :
| ما كُنْتَ فِي الحَرْبِ العَوَانِ مُغَمّرَا | إذْ شَبّ حَرّ وَقُودِها أجْذَالَهَا |
وقال آخر منهم في قوله : لَتَنُوءُ بالعُصْبَةِ : نَوْءُها بالعصبة : أن تُثْقلهم وقال : المعنى : إن مفاتحه لتنيءُ العصبة : تميلهن من ثقلها، فإذا أدخلت الباء قلت : تَنُوء بهم، كما قال : آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرَا قال والمعنى : آتوني بقطر أفرغ عليه فإذا حُذفت الباء، زدت على الفعل ألفا في أوّله ومثله : فأجاءَها المَخاضُ معناه : فجاء بها المخاض وقال : قد قال رجل من أهل العربية : ما إن العصبة تَنُوء بمفاتحه، فحوّل الفعل إلى المفاتح، كما قال الشاعر :
| إنّ سِرَاجا لَكَرِيمٌ مَفْخَرُهْ | تَحْلَى بهِ العَيْنُ إذَا ما تَجْهَرُهْ |
| حتى إذَا ما الْتَأَمَتْ مَوَاصِلُهْ | ونَاءَ فِي شِقّ الشّمالِ كاه |