الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي

عن الكتاب
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن السدي قال : كان من شأن فرعون أنه رأى رؤيا في منامه : أن ناراً أقبلت من بيت المقدس حتى إذا اشتملت على بيوت مصر أحرقت القبط، وتركت بني إسرائيل، فدعا السحرة، والكهنة، والعافة، والزجرة. وهم العافة الذين يزجرون الطير فسألهم عن رؤياه فقالوا له : يخرج من هذا البلد الذي جاء بنو إسرائيل منه - يعنون بيت المقدس - رجل يكون على وجهه هلاك مصر. فأمر بني إسرائيل أن لا يولد لهم ولد إلا ذبحوه، ولا يولد لهم جارية إلا تركت، وقال للقبط : انظروا مملوكيكم الذين يعملون خارجاً فأدخلوهم، واجعلوا بني إسرائيل يلون تلك الأعمال القذرة، فجعلوا بني إسرائيل في أعمال غلمانهم، وادخلوا غلمانهم. فذلك حين يقول ﴿إن فرعون علا في الأرض﴾ يقول : تجبر في الأرض ﴿وجعل أهلها شيعاً﴾ يعني بني إسرائيل ﴿يستضعف طائفة منهم﴾ حين جعلهم في الأعمال القذرة، وجعل لا يولد لبني إسرائيل مولود إلا ذبح فلا يكبر صغير.
وقذف الله في مشيخة بني إسرائيل الموت، فأسرع فيهم. فدخل رؤوس القبط على فرعون فكلموه فقالوا : إن هؤلاء القوم قد وقع فيهم الموت، فيوشك أن يقع العمل على غلماننا تذبح أبناءهم فلا يبلغ الصغار فيعينون الكبار، فلو أنك كنت تبقي من أولادهم. فأمر أن يذبحوا سنة، ويتركوا سنة، فلما كان في السنة التي لا يذبحون فيها ولد هرون عليه السلام. فترك، فلما كان في السنة التي يذبحون فيها حملت أم موسى بموسى عليه الصلاة والسلام، فلما أرادت وضعه حزنت من شأنه، فلما وضعته أرضعته ثم دعت له نجاراً وجعلت له تابوتاً، وجعلت مفتاح التابوت من داخل وجعلته فيه، وألقته في اليم بين أحجار عند بيت فرعون، فخرجن جواري آسية امرأة فرعون يغتسلن، فوجدن التابوت، فادخلنه إلى آسية وظنن أن فيه مالاً، فلما تحرك الغلام رأته آسية صبياً، فلما نظرته آسية وقعت عليه رحمتها وأحبته.
فلما أخبرت به فرعون أراد أن يذبحه، فلم تزل آسية تكلمه حتى تركه لها وقال : إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل، وأن يكون هذا الذي على يديه هلاكنا. فبينما هي ترقصه وتلعب به إذ ناولته فرعون وقالت : خذه ﴿قرة عين لي ولك﴾ [القصص: ٩] قال فرعون : هو قرة عين لك - قال عبد الله بن عباس : ولو قال هو قرة عين لي إذاً لآمن به، ولكنه أبى - فلما أخذه إليه أخذ موسى عليه السلام بلحيته فنتفها فقال فرعون : عليَّ بالذباحين هو ذا.
قالت آسية : لا تقتله ﴿عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولداً﴾ [القصص: ٩] إنما هو صبي لا يعقل وإنما صنع هذا من صباه، أنا أضع له حلياً من الياقوت، وأضع له جمراً فإن أخذ الياقوت فهو يعقل اذبحه، وإن أخذ الجمر فإنما هو صبي، فأخرجت له ياقوتاً، ووضعت له طستاً من جمر، فجاء جبريل عليه السلام فطرح في يده جمرة، فطرحها موسى عليه السلام في فيه فأحرقت لسانه، فأرادوا له المرضعات فلم يأخذ من أحد من النساء، وجعلن النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع فأبى أن يأخذ.
فجاءت أخته فقالت :﴿هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون﴾ فأخذوها فقالوا : إنك قد عرفت هذا الغلام فدلينا على أهله فقالت : ما أعرفه ولكن إنما هم للملك ناصحون. فلما جاءته أمه أخذ منها. وكادت تقول : هو ابني. فعصمها الله فذلك قوله ﴿إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين﴾ قال : قد كانت من المؤمنين ولكن بقول :﴿إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين﴾ قال السدي : وإنما سمي موسى لأنهم وجدوه في ماء وشجر والماء بالنبطية مو الشجر سى.
أخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله :﴿وأوحينا إلى أم موسى﴾ يقول : ألهمناها الذي صنعت بموسى.
وأخرج عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن المنذر عن قتادة رضي الله عنه في قوله ﴿وأوحينا إلى أم موسى﴾ قال : قذف في نفسها.
وأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ قال : وحي جاءها عن الله قذف في قلبها، وليس بوحي نبوة ﴿فإذا خفت عليه فألقيه في اليم﴾ قال : فجعلته في تابوت فقذفته في البحر.
وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي عبد الرحمن الحبلي قال : إن الله أوحى إلى أم موسى حين وضعت ﴿أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم﴾ فلما خافت عليه جعلته في التابوت، وجعلت المفتاح مع التابوت وطرحته في البحر، وخرجت امرأة فرعون إلى البحر وابنة لفرعون برصاء، فرأوا سواداً في البحر، فأخرج التابوت إليهم، فبدرت ابنة فرعون وهي برصاء إلى التابوت، فوجدت موسى في التابوت وهو مولود، فأخذته فبرأت من برصها.
وأخرج ابن أبي حاتم عن الأعمش رضي الله عنه قال : قال ابن عباس رضي الله عنهما : في قوله ﴿فإذا خفت عليه﴾ قال : أن يسمع جيرانك صوته.
وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج في قوله ﴿وأوحينا إلى أم موسى أن أرضعيه﴾ قال : فجعلته في بستان فكانت تأتيه في كل يوم مرة فترضعه، وتأتيه في كل ليلة فترضعه فيكفيه ذلك ﴿فإذا خفت عليه﴾ قال : إذا بلغ أربعة أشهر وصاح وابتغى من الرضاع أكثر من ذلك. فذلك قوله ﴿فإذا خفت عليه فألقيه في اليم﴾.
وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن زيد رضي الله عنه في قوله ﴿ولا تخافي﴾ قال : لا تخافي عليه البحر ﴿ولا تحزني﴾ يقول : ولا تحزني لفراقه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى