الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
﴿إلى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ تنظر إلى ربها خاصة لا تنظر إلى غيره، وهذا معنى تقديم المفعول، ألا ترى إلى قوله :﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المستقر ( ١٢ )﴾ [القيامة: ١٢]، ﴿إلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ المساق ( ٣٠ )﴾، ﴿إِلَى الله تَصِيرُ الامور﴾ [الشورى: ٥٣]، ﴿وإلى الله المصير﴾ [آل عمران: ٢٨]، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: ٢٤٥]، ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]، كيف دلّ فيها التقديم على معنى الاختصاص، ومعلوم أنهم ينظرون إلى أشياء لا يحيط بها الحصر ولا تدخل تحت العدد في محشر يجتمع فيه الخلائق كلهم، فإنّ المؤمنين نظارة ذلك اليوم لأنهم الآمنون الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فاختصاصه بنظرهم إليه لو كان منظوراً إليه : محال، فوجب حمله على معنى يصح معه الاختصاص، والذي يصح معه أن يكون من قول الناس : أنا إلى فلان ناظر ما يصنع بي، تريد معنى التوقع والرجاء. ومنه قول القائل :
وَإذَا نَطَرْتُ إلَيْكَ مِنْ ملكوَالْبَحْرُ دُونَكَ زِدْتَني نِعَمَا
وسمعت سروية مستجدية بمكة وقت الظهر حين يغلق الناس أبوابهم، ويأوون إلى مقائلهم، تقول : عيينتي نويظرة إلى الله وإليكم، والمعنى : أنهم لا يتوقعون النعمة والكرامة إلا من ربهم، كما كانوا في الدنيا لا يخشون ولا يرجون إلا إياه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى