البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
و ﴿كاذبة﴾ : ظاهره أنه اسم فاعل من كذب، وهو صفة لمحذوف، فقدره الزمخشري : نفس كاذبة، أي لا يكون حين تقع نفس تكذب على الله، وتكذب في تكذيب الغيب، لأن كل نفس حينئذ مؤمنة صادقة، وأكثر النفوس اليوم كواذب مكذبات، لقوله تعالى :
﴿فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده﴾ ﴿لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم﴾ ﴿ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة﴾ واللام مثلها في قوله :﴿يقول ياليتني قدمت لحياتي﴾ إذ ليس لها نفس تكذبها وتقول لها : لم تكذبي، كما لها اليوم نفوس كثيرة يقلن لها : لم تكذبي، أو هي من قولهم : كذبت فلاناً نفسه في الخطب العظيم، إذا شجعته على مباشرته، وقالت له : إنك تطيقه وما فوقه، فتعرض له ولا تبال على معنى : أنها وقعة لا تطاق بشدة وفظاعة، وأن لا نفس حينئذ تحدث صاحبها بما تحدثه به عند عظائم الأمور، وتزين له احتمالها وإطاقتها، لأنهم يومئذ أضعف من ذلك وأذل.
ألا ترى إلى قوله تعالى :﴿كالفراش المبثوث﴾ والفراش مثل في الضعف.
انتهى، وهو تكثير وإسهاب.
وقدره ابن عطية حال كاذبة، قال : ويحتمل الكلام على هذا معنيين : أحدهما كاذبة، أي مكذوب فيما أخبر به عنها، فسماها كاذبة لهذا، كما تقول : هذه قصة كاذبة، أي مكذوب فيها.
والثاني : حال كاذبة، أي لا يمضي وقوعها، كما تقول : فلان إذا حمل لم يكذب.
وقال قتادة والحسن المعنى : ليس لها تكذيب ولا رد ولا منثوية، فكاذبة على هذا مصدر، كالعاقبة والعافية وخائنة الأعين.
والجملة من قوله :﴿ليس لوقعتها كاذبة﴾ على ما قدّره الزمخشري من أن إذا معمولة لليس يكون ابتداء السورة، إلا إن اعتقد أنها جواب لإذا، أو منصوبة باذكر، فلا يكون ابتداء كلام.
وقال ابن عطية : في موضع الحال، والذي يظهر لي أنها جملة اعتراض بين الشرط وجوابه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى