اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
نص مكرر لاشتراكه مع الآية ٣٥:قوله :﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ﴾.
قيل : الضَّمير يعود ( على )(١) الحُور العين، أي : خلقناهن من غير ولادة.
وقيل : المراد نساء بني آدم خلقناهنَّ خلقاً جديداً، وهو الإعادة، أي أعدناهنّ إلى حال الشَّباب، وكمال الجمال، ويرجحه قوله :﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾ لأن المخلوقة ابتداء معلوم أنها بكر.
والمعنى أنشأنا العجوز والصَّبية إنشاء، وأخرن، ولم يتقدم ذكرهنّ ؛ لأنَّهن قد دخلن في أصحاب اليمين، ولأن الفُرش كناية عن النساء كما تقدم(٢).
وروي عن النبي ﷺ في قوله تعالى :﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾ قال :«مِنهُنَّ البِكرُ والثَّيِّبُ »(٣).
«وروى النحاس بإسناده عن أم سلمة سألت النبي ﷺ عن قوله تعالى :﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾، فقال :«يا أمَّ سلمة، هُنَّ اللَّواتِي قُبِضْنَ في الدُّنيا عَجَائِزَ، شُمْطاً، عُمْشاً، رُمْصاً، جعلهُنَّ اللَّهُ بعد الكبر أتْرَاباً على ميلادٍ واحدٍ في الاستواءِ »(٤).
وروى أنس بن مالك، يرفعه في قوله :﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً﴾ قال :«هُنَّ العجائزُ العُمْشُ، الرُّمص، كُنَّ في الدُّنيا عُمْشاً رُمْصاً »(٥).
وعن المسيب بن شريك :«قال النبي ﷺ في قوله تعالى :﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾، قال :«هُنَّ عجائزُ الدُّنيا، أنشَأهُنَّ الله تعالى خلقاً جديداً، كُلَّما أتَاهُنَّ أزواجهُنَّ وجدُوهُنَّ أبْكاراً » فلما سمعت عائشة بذلك قالت : واوجعاه، فقال النبي ﷺ :«لَيْسَ هُناكَ وجعٌ »(٦).
وعن الحسن قال :«أتت عجوز النبي ﷺ فقالت : يا رسول الله ادعُ الله أن يدخلني الجنة، فقال :«يَا أم فُلانٍ، الجنَّةُ لا يدخُلهَا عَجُوزٌ »، قال : فولَّت تبكي، فقال : أخْبرُوهَا أنَّهَا لا تدخُلهَا وهيَ عجُوزٌ، إنَّ الله تعالى يقُولُ :﴿إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً﴾(٧) ».
قوله :«عُرُباً ».
جمع «عَرُوب » ك «صَبُور، وصُبُر »، والعَرُوب : المحببة إلى بعلها، واشتقاقه من «أعرب » إذا بين.
فالعروب : تبين محبتها لزوجها بشكل وغُنْج وحسن كلام. قاله عكرمة وقتادة(٨).
وقيل : الحسناء.
وقيل : المحسِّنة لكلامها(٩).
وقرأ حمزة(١٠)، وأبو بكر : بسكون الراء. وهذا ك «رُسُل ورُسْل، وفُرُش وفُرْش ». وقال ابن عباس رضي الله عنهما : هنّ العواشق(١١).
وأنشد للبيد :[ البسيط ]
وفِي الخُدُورِ عرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍرَيَّا الرَّوادفِ يَغْشَى دُونهَا البَصَرُ(١٢)
ويروى :[ البسيط ]
وفِي الجِنَانِ عَرُوبٌ غَيْرُ فَاحِشَةٍريَّا الرَّوادفِ يَغْشَى ضَوؤهَا البَصَرَا(١٣)
وعن ابن عباس ومجاهد وغيرهما : العُرُب، العواشق لأزواجهن(١٤).
وعن عكرمة : العَرُوبة : الغَنِجَة(١٥).
قال ابن زيدٍ : بلغة أهل «المدينة »، وأنشد بيت لبيد، وهي الشَّكِلة بلغة أهل «مكّة »(١٦).
«وروى جعفر بن محمد عن أبيه عن جدّه، قال : قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى :«عُرُبا »ً قال :«كلامُهنَّ عَربيٌّ »(١٧).
وعن ابن عبَّاس رضي الله عنهما :«العَرُوب » الملقة(١٨).
قوله :«أتْرَاباً » جمع «تِرْب »، وهو المساوي لك في سنّك لأنه يمسّ جلدها التراب في وقتٍ واحد، وهو آكد في الائتلاف، وهو من الأسماء التي لا تتعرف بالإضافة ؛ لأنه في معنى الصفة ؛ إذ معناه «مساويك »، ومثله :«خِدنُك » لأنه في معنى صاحبك(١٩).
قال القرطبي(٢٠) :«سنّ واحد، وهو ثلاث وثلاثون سنة، يقال في النساء : أتْرَاب، وفي الرجال : أقْرَان، وكانت العرب تميل إلى من جاوزت حدّ الصِّبا من النساء، وانحطَّت عن الكبر ».
وقال مجاهد : الأتْراب : الأمثال والأشكال.
وقال السُّدي : أتراب في الأخلاق لا تباغض بينهن ولا تحاسُد(٢١).
وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ قال :«يَدْخلُ أهْلُ الجنَّةِ الجنَّة جُرْداً مُرْداً، جعَاداً، مكحَّلينَ، أبْناءَ ثلاثِينَ على خَلْقِ آدَمَ طُولهُ سِتُّونَ ذِرَاعاً في سبعةِ أذْرُعٍ »(٢٢).
وعنه - عليه الصلاة والسلام - قال :«مَنْ مَاتَ مِنْ أهْلِ الجنَّةِ من صغيرٍ وكبيرٍ دُون بَنِي ثلاثِيْن سنةً في الجنَّةِ، لا يزيدُون عليْهَا أبداً، وكذلكَ أهْلُ النَّارِ »(٢٣).
١ في ب: إلى..
٢ ينظر؛ القرطبي ١٧/١٣٦..
٣ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٤٠) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٢٤) وزاد نسبته إلى الطيالسي وابن أبي الدنيا والطبراني وابن مردويه وابن قانع والبيهقي في "البعث" من حديث سلمة بن يزيد الجعفي..
٤ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٤١)..
٥ أخرجه الترمذي (٣٢٩٦) والطبري في "تفسيره" (١١/٦٤٠) من طريق موسى بن عبيدة عن يزيد عن أبان عن أنس مرفوعا.
وقال الترمذي: هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من حديث موسى بن عبيدة وموسى بن عبيدة ويزيد بن أبان الرقاشي يضعفان في الحديث.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٢٤) وزاد نسبته إلى الفريابي وعبد بن حميد وهناد وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن مردويه والبيهقي في "البعث"..

٦ ذكره البغوي في "تفسيره" (٤/٢٨٣) عن المسيب بن شريك..
٧ أخرجه الترمذي في "الشمائل" رقم (٢٤١) والبيهقي في "البعث" (٢٤١) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٢٤) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن المنذر عن الحسن مرسلا. وللحديث شاهد من حديث عائشة، أخرجه الطبري (١١/٢٤٦) والبيهقي في "البعث" رقم (٣٧٩) من طريق ليث بن أبي سليم عن مجاهد عن عائشة.
وله طريق آخر عنها ذكره الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠/٤١٩) وقال: رواه الطبراني في "الأوسط" وفيه مسعدة بن اليسع وهو ضعيف..

٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٤٢) عن عكرمة وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٢٥) وزاد نسبته إلى عبد بن حميد وابن أبي حاتم..
٩ ينظر: الدر المصون ٦/٢٥٩، والبحر المحيط ٨/٢٠٧..
١٠ ينظر: السبعة ٦٢٢، والحجة للقراء السبعة ٦/٢٥٧، ٢٥٧ وإعراب القراءات ٢/٣٤٣، ٣٤٤، وحجة القراءات ٦٩٦، والعنوان ١٨٥، وشرح شعلة ٥٩٦، وإتحاف ٢/٥١٥..
١١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٤٢) عن ابن عباس والحسن ومجاهد.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٢٥): عن ابن عباس وعزاه إلى ابن المنذر والبيهقي من طريق علي بن أبي طلحة عنه.
وله طريق آخر عن الضحاك عن ابن عباس ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٢٥) وعزاه إلى ابن أبي حاتم..

١٢ ينظر ديوانه ص ٥٦، ومجاز القرآن ٢/٢٥١، والطبري ٢٧/١٠٧، والقرطبي ١٧/١٣٧، والدر المصون ٦/٢٦٠..
١٣ تقدم..
١٤ تقدم..
١٥ تقدم..
١٦ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٤٣) وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٢٦) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم..
١٧ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٢٦) وعزاه إلى ابن أبي حاتم..
١٨ أخرجه الطبري في "تفسيره" (١١/٦٤٣) من طريق عكرمة بن أبي عباس وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٢٥) وزاد نسبته إلى ابن أبي حاتم..
١٩ ينظر: الدر المصون ٦/٢٦٠..
٢٠ الجامع لأحكام القرآن ١٧/١٣٧..
٢١ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٧/١٣٧)..
٢٢ أخرجه الترمذي (٤/٥٨٩) رقم (٢٥٤٥) من طريق قتادة عن شهر بن حوشب عن عبد الرحمان بن غنم عن معاذ مرفوعا.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وبعض أصحاب قتادة رووا هذا عن قتادة مرسلا ولم يسندوه.
وأخرجه أحمد (٢/٢٩٥) من حديث أبي هريرة. وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٤٨) وزاد نسبته إلى ابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا في صفة الجنة والطبراني في الكبير..

٢٣ أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٢/١٢٨) ومن طريقه البغوي في "تفسيره" (٤١/٢٨٤) من طريق دراج عن أبي الهيثم عن أبي سعيد. وذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (٣٩٣٤٤) وعزاه إلى الترمذي..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى