الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿لاَّ يَمَسُّهُ﴾ : في " لا " هذه وجهان، أحدهما : أنها نافيةٌ فالضمةُ في " لا يَمَسُّه " ضمةُ إعرابٍ، وعلى هذا القولِ ففي الجملةِ وجهان، أحدهما : أنَّ محلَّها الجرُّ صفةً ل " كتاب " والمرادُ ب " كتاب " : إمَّا اللوحُ المحفوظُ، والمُطهَّرون حينئذٍ الملائكةُ أو المرادُ به المصاحف، والمرادُ بالمُطهَّرين المكلَّفون كلُّهم. والثاني : أن محلَّها الرفعُ صفةً لقرآنِ، والمرادُ بالمطهَّرينِ الملائكةُ فقط أي : لا يَطَّلع عليه أو لا يَمَسُّ لَوْحَه. لا بُدَّ من أحد هَذَيْن التجوُّزَيْن ؛ لأن نسبةَ المسِّ إلى المعاني حقيقةً متعذَّرٌ. ويؤيِّد كونَ هذه نفياً قراءةُ عبد الله " ما يَمَسُّه " ب " ما " النافيةِ.
والثاني من الوجهين الأوَّلَيْن : أنها ناهيةٌ، والفعلُ بعدها مجزومٌ ؛ لأنه لو فُكَّ عن الإِدغامِ لظهر ذلك فيه كقولِه :﴿لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: ١٧٤] ولكنه أَدْغم، ولَمَّا أُدْغِمَ حُرِّك آخرُه بالضمِّ لأجلِ هاء ضميرِ المذكرِ الغائبِ، ولم يَحْفَظْ سيبويه في نحوِ هذا إلاَّ الضمَّ. وفي الحديث :" إنَّا لم نَرُدُّه عليك إلاَّ أننا حُرُمٌ " وإن كان القياسُ يَقْتضي جوازَ فَتْحِه تخفيفاً، وبهذا الذي ذكرْتُه يظهر فسادُ رَدِّ/ مَنْ رَدَّ : بأنَّ هذا لو كان نَهْياً لكان يُقال :" لا يَمَسَّه " بالفتح ؛ لأنه خَفي عليه جوازُ ضَمِّ ما قبل الهاءِ في هذا النحوِ، لا سيما على رأيِ سيبويه فإنه لا يُجيز غيرَه. وقد ضَعَّفَ ابنُ عطية كونَه نهياً : بأنه إذا كان خبراً فهو في موضعِ الصفةِ، وقولُه بعد ذلك " تنْزيلٌ " صفةٌ فإذا جعلناه نَهْياً كان أجنبياً معترضاً بين الصفاتِ وذلك لا يَحْسُن في رَصْفِ الكلامِ فتدبَّرْه. وفي حرف ابن مسعود " ما يمسُّه " انتهى.
وليس فيما ذكرَه ضَعْفٌ لهذا القول ؛ لأنَّا لا نُسَلِّم أنَّ " تنزيل " صفةٌ، بل هو خبرُ مبتدأ محذوفٍ، أي : هو تنزيلٌ فلا يَلْزَم ما ذَكرَه من الاعتراضِ. ولَئِنْ سَلَّمْنَا أنه صفةٌ ف " لا يَمَسُّه " صفةٌ أيضاً، فيُعْترض علينا : بأنه طلبٌ. فيُجاب : بأنه على إضمارِ القولِ أي : مقولٌ فيه : لا يمسُّه، كما قالوا ذلك في قوله :" فتنةً لا تصيبَنَّ " على أنَّ " لا تصيبنَّ " نَهْيٌ وهو كقولِه :
جاؤوا بمَذْقٍ هل رأيْتَ الذئبَ قطّ ***
وقد تقدَّم تحقيقُه في الأنفال، وهذه المسألةُ يتعلَّقُ بها خلافُ العلماء في مَسِّ المُحْدِث المصحفَ، وهو مبنيٌّ على هذا، وسيأتي تحقيقُه بأشبعَ مِنْ هذا في كتاب " أحكام القرآن " إن شاء الله تعالى إتمامَه.
وقرأ العامَّةُ " المُطَهَّرون " بتخفيف الطاء وتشديد الهاء مفتوحةً اسمَ مفعول، وعن سلمان الفارسي كذلك، إلاَّ أنه بكسرِ الهاء اسمَ فاعلٍ أي : المُطَهِّرون أنفسَهم، فحذف مفعولَه. ونافع وأبو عمروٍ في رواية عنهما وعيسى بسكون الطاء وفتح الهاء خفيفة اسم مَفعول من أطهر. وزيد والحسن وعبد الله بن عون وسلمان أيضاً " المُطَّهِّرُوْن " بتشديدِ الطاءِ والهاءِ المكسورةِ، وأصلُه المتطهِّرون فأُدْغِم. وقد قُرىءَ بهذا الأصلِ أيضاً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى