اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾.
فيه أوجه :
أحدها : أنه على التهكم بهم، لأنهم وضعوا الشيء غير موضعه، كقولك : شتمني حيث أحسنت إليه، أي : عكس قضية الإحسان.
ومنه :[ الرجز ]
كَأنَّ شُكْر القَوْمِ عندَ المِنَنِكيُّ الصَّحِيحاتِ، وفقْءُ الأعيُنِ(١)
أي : شكر رزقكم تكذيبكم.
الثاني : أن ثمَّ مضافين محذوفين، أي : بدل شكر رزقكم، ليصح المعنى.
قاله ابن مالك.
وقد تقدم في قوله تعالى :﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ [النجم: ٩] أكثر من هذا.
الثالث : أنَّ الرزق هو الشكر في لغة «أزد شنوءة » يقولون : ما رزق فلان فلاناً، أي : ما شكره، فعلى هذا لا حذف ألبتة.
ويؤيده قراءة علي بن أبي طالب(٢) - رضي الله عنه - وتلميذه عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - :«وتَجْعَلُونَ شُكْركُمْ » مكان رزقكم.
قال القرطبي(٣) :«وإنما صلح أن يوضع اسم الرزق مكان الشُّكر لأنَّ شكر الرِّزق يقتضي الزيادة فيه، فيكون الشكر رزقاً لهذا المعنى ».
قوله :﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾.
قرأ العامة :«تُكذِّبُونَ » من التكذيب.
وعلي - رضي الله عنه - وعاصم في رواية المفضل عنه :«تكْذبُونَ »(٤) مخففاً من الكذب.
ومعنى الآية : أنكم مكذبون بالرِّزق، أي ؛ تضعون الكذب مكان الشُّكر، كقوله تعالى :﴿وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ البيت إِلاَّ مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]، أي : لم يكونوا يصلون، ولكنهم كانوا يصفرون ويصفقون مكان الصَّلاة.
قال القرطبي(٥) : وفيه بيان أن ما أصاب العباد من خير، فلا ينبغي أن يروه من قبل الوسائط التي جرت العادة بأن تكون أسباباً، بل ينبغي أن يروه من قبل الله - تعالى - ثم يقابلونه بشكر إن كان نعمة، أو صبر إن كان مكروهاً تعبداً له وتذلُّلاً.
وروى علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أن النبي ﷺ قرأ :«وتجعلون شكركم أنكم تكذبون » خفيفة(٦).
وعن ابن عباس أيضاً : أن المراد به الاستسقاء بالأنواء، وهو قول العرب : مُطِرْنَا بنوءِ كذا، رواه علي بن أبي طالب عن النبي ﷺ.
وفي «صحيح مسلم » عن ابن عبَّاس قال :«مطر النَّاس على عهد رسول الله ﷺ فقال النبي ﷺ :«أصْبَحَ من النَّاسِ شَاكِرٌ ومنهُمْ كَافرٌ ».
فقال بعضهم : هذه رحمة الله ؛ وقال بعضهم : لقد صدق نَوْء كذا وكذا، قال : فنزلت هذه الآية :﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم﴾ حتى بلغ ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾(٧).
وعنه أيضاً :«أن النبي ﷺ خرج في سفر فعطشوا، فقال النبي ﷺ :«أرأيْتُمْ إن دعوْتُ اللَّهَ لكُم فسُقيْتُمْ لعلَّكمْ تقولون : هذا المطرُ بنَوْءِ كذا »، فقالوا : يا رسول الله ما هذا بحين الأنواء. فصلّى ركعتين، ودعا ربه، فهاجتْ ريح، ثم هاجت سحابة فمطروا، فمر النبي ﷺ ومعه عصابةٌ من أصحابه برجل يغترف بقدح له، وهو يقول : سقينا بنوء كذا، ولم يقل هذا من رزق الله، فنزلت :﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ »(٨).
أي : شكركم لله على رزقه إياكم أنكم تكذبون بالنعمة، وتقولون : سقينا بنوء كذا، كقولك : جعلت إحساني إليك إساءة منك إليّ، وجعلت إنعامي إليك أن اتَّخذتني عدُوًّا.
قال الشَّافعي : لا أحب لأحدٍ أن يقول : مُطِرنَا بنوء كذا، وإن كان النَّوْءُ عندنا الوقت المخلوق لا يضر، ولا ينفع، ولا يمطر، ولا يحبس شيئاً من المطر، والذي أحبّ أن يقول : مطرنا وقت كذا، كما تقول : مطرنا شهر كذا، ومن قال : مطرنا بنوءِ كذا، وهو يريد أن النَّوء أنزل الماء كما يقول بعض أهل الشِّرك فهو كافر، حلال دمه إن لم يَتُبْ.
وقيل(٩) : معنى قوله :﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ﴾ أي : معاشكم وتكسبكم تكذيب محمد، كما يقال : فلان جعل قطع الطريق معاشه، فعلى هذا التَّكذيب عام، وعلى الأول التكذيب خاص والرزق في الأصل مصدر سمي به ما يرزق، كما يقال للمأكول : رِزْق، وللمقدور : قُدْرة وللمخلوق : خَلْق.
١ ينظر البحر ٨/٢١٤ وروح المعاني ٢٧/١٥٦، والدر المصون ٦/٢٦٩..
٢ ينظر: الكشاف ٤/٤٦٩، والمحرر الوجيز ٥/٢٥٢، والبحر المحيط ٨/٢١٣، والدر المصون ٦/٢٦٩..
٣ ينظر الجامع لأحكام القرآن ١٧/١٤٨..
٤ ينظر: الحجة ٦/٢٦٤، والمحتسب ٢/٣١٠، ونسبها إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وينظر: إعراب القراءات ٢/٣٤٨، والمحرر الوجيز ٥/٢٥٢، والبحر المحيط ٨/٢١٤، والدر المصون ٦/٢٦٩..
٥ الجامع لأحكام القرآن ١٧/١٤٨..
٦ انظر: القراءة السابقة..
٧ أخرجه مسلم (١/٨٤) كتاب الإيمان، باب: بيان كفر من قال مطرنا بالنوء حديث (١٢٧/٧٣) من حديث ابن عباس.
وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٣٣) وزاد نسبته إلى ابن المنذر وابن مردويه..

٨ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٦/٢٣٤) وعزاه إلى ابن مردويه..
٩ ينظر الرازي ١٧/١٧٢..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى