اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :﴿فَأَصْحَابُ الميمنة مَا أَصْحَابُ الميمنة﴾.
«أصحاب » الأول مبتدأ، و«ما » استفهامية - فيه تعظيم - مبتدأ ثاني، و«أصحاب » الثاني خبره، والجملة خبر الأول، وتكرار المبتدأ الأول هنا بلفظه مغنٍ عن الضمير، ومثله :﴿الحاقة مَا الحاقة﴾ [الحاقة: ١، ٢]، ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: ١، ٢] ولا يكون ذلك إلا في مواضع التَّعظيم(١).
فإن قيل : إن «ما » نكرة وما بعدها معرفة، فكان ينبغي أن يقال :«ما » خبر مقدم، و«أصحاب » الثاني وشبهه مبتدأ ؛ لأن المعرفة أحق بالابتداء من النكرة ؟ وهذا السؤال واردٌ على سيبويه(٢) في مثل هذا.
وفي قولك :«كَمْ مالك، ومرَرْتُ بِرَجُلٍ خَيْرٍ منهُ أبُوه » فإنه يعرب «ما » الاستفهامية، و«كم » و«أفعل » مبتدأ وما بعدها خبرها.
والجواب : أنه كثر وقوع النكرة خبراً عن هذه الأشياء كثرة متزايدة، فاطَّرد الباب، ليجري على سنن واحدة، هكذا أجابوا.
وهذا لا ينهض مانعاً من جواز أن يكون «ما » و«كَمْ » و«أفْعَل » خبراً مقدماً ولو قيل به لم يكن خطأ، بل أقرب إلى الصَّواب(٣).
و«الميمنة » «مَفْعَلَة » من لفظ اليمين، وكذلك «المشأمة » من اليد الشؤمى وهي الشمال لتشاؤم العرب بها، أو من الشُّؤم(٤).
قال السدي :«أصحاب الميمنةِ » هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، و«أصحاب المَشْأمة » هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النَّار(٦).
و«المَشْأمة » : الميسرة، وكذلك الشَّأمة، يقال : قعد فلان شأمة.
ويقال : شائم بأصحابك أي : خذ بهم شأمة أي : ذات الشمال والعرب تقول لليد الشمال : الشؤمى، وللجانب الشمال : الأشأم.
وكذلك يقال لما جاء عن اليمين : اليمن، ولما جاء عن الشمال : الشُّؤم.
قال البغوي(٧) :«ومنه سمي «الشَّام واليمن » ؛ لأن «اليمن » عن يمين الكعبة، و«الشام » عن شمالها ».
قال ابن عباس والسدي :«أصْحَابُ المَيْمَنَةِ » هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذُّرية من صلبه، فقال الله لهم :«هؤلاء في الجنة ولا أبالي »(٨).
وقال زيد بن أسلم : هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن يومئذ، وأصحاب المشأمة الذين أخذوا من شق آدم الأيسر(٩).
وقال عطاء ومحمد بن كعب :«أصْحَابُ الميمنةِ من أوتي كتابه بيمينه، وأصحاب المشأمة من أوتي كتابه بشماله »(١٠).
وقال ابن جريج :«أصحاب الميمنة » هم أصحاب الحسنات، وأصحاب المشأمة ؛ هم أهل السيئات.
وقال الحسن والربيع :«أصحاب الميمنة » الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة، وأصحاب المشأمة : المشائيم على أنفسهم بالأعمال السيئة.
وفي صحيح مسلم من حديث «الإسراء » عن أبي ذرٍّ عن النبي ﷺ قال :«فَلمَّا عَلوْنَا السَّماء الدُّنيا، فإذَا رجلٌ عن يَمينهِ أسْودةٌ، وعنْ يَسارِهِ أسودةٌ، قال فإذَا نظر قبل يَمينِه ضَحِكَ، وإذَا نَظَرَ قبلَ شمالِهِ بكَى، قال : فقال : مَرْحَباً بالنبيِّ الصَّالحِ والابْنِ الصَّالح، قال : فقُلْتُ : يا جِبْريلُ منْ هذَا ؟.
قال : هذا آدمُ - عليه الصلاة والسلام - وهذه الأسودةُ عن يمينه وعن شمالهِ بَنُوه فأهْلُ اليَمِينِ أهْلُ الجنَّةِ، والأسودةُ الَّتي عن شمالهِ أهْلُ النَّارِ » وذكر الحديث(١١).
وقال المبردُ :«أصحاب الميمنة » أصحاب التقدم، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخُّر والعرب تقول : اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك أي : اجعلني من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين(١٢).
ثم عجب نبيه ﷺ فقال :﴿مَا أَصْحَابُ الميمنة﴾ وهذا كما يقال :«زَيْدٌ مَا زَيْدٌ »، يريد «زيد شديد » فالتكرير في ﴿مَا أَصْحَابُ الميمنة﴾، و﴿مَا أَصْحَابُ المشأمة﴾ للتَّفخيم والتعجُّب، كقوله :﴿الحاقة مَا الحاقة﴾، و﴿القارعة مَا القارعة﴾ كما يقال :«زَيْدٌ ما زيدٌ ».
وفي حديث أم زرع رضي الله عنها :«مالك، وما مالك ؟ »(١٣).
والمقصود : تكثير ما لأصحاب الميمنة في الثواب، وأصحاب المشأمة من العقاب.
والفاء في قوله :«فأصْحَاب » تدل على التقسيم، وبيان ما ورد عليه التقسيم، كأنه قال : أزواجاً ثلاثة : أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون، وبين حال كل قسم فقال :﴿مَا أَصْحَابُ الميمنة﴾ وترك التقسيم أولاً، واكتفى بما يدل عليه بأن تُذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها.
فإن قيل : ما الحكمة في اختيار لفظ «المشأمة » في مقابلة «الميمنة » مع أنه قال في بيان أحوالهم ﴿وَأَصْحَابُ الشمال مَا أَصْحَابُ الشمال﴾ ؟
فالجواب : أنَّ اليمين وضع للجانب المعروف، واستعملوا منها ألفاظاً في مواضع فقالوا :«هذا ميمون » تيمناً به، ووضعوا مقابلة اليمين اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه، ولفظ الشمال في مقابلته، واستعملوا منه ألفاظاً تشاؤماً به، فذكر «المشأمة » [ في ](١٤) مقابلة [ «الميمنة » ](١٥) [ وذكر الشمال في مقابلة اليمين ](١٦) فاستعمل كل لفظ مع ما يقابله.
«أصحاب » الأول مبتدأ، و«ما » استفهامية - فيه تعظيم - مبتدأ ثاني، و«أصحاب » الثاني خبره، والجملة خبر الأول، وتكرار المبتدأ الأول هنا بلفظه مغنٍ عن الضمير، ومثله :﴿الحاقة مَا الحاقة﴾ [الحاقة: ١، ٢]، ﴿القارعة مَا القارعة﴾ [القارعة: ١، ٢] ولا يكون ذلك إلا في مواضع التَّعظيم(١).
فإن قيل : إن «ما » نكرة وما بعدها معرفة، فكان ينبغي أن يقال :«ما » خبر مقدم، و«أصحاب » الثاني وشبهه مبتدأ ؛ لأن المعرفة أحق بالابتداء من النكرة ؟ وهذا السؤال واردٌ على سيبويه(٢) في مثل هذا.
وفي قولك :«كَمْ مالك، ومرَرْتُ بِرَجُلٍ خَيْرٍ منهُ أبُوه » فإنه يعرب «ما » الاستفهامية، و«كم » و«أفعل » مبتدأ وما بعدها خبرها.
والجواب : أنه كثر وقوع النكرة خبراً عن هذه الأشياء كثرة متزايدة، فاطَّرد الباب، ليجري على سنن واحدة، هكذا أجابوا.
وهذا لا ينهض مانعاً من جواز أن يكون «ما » و«كَمْ » و«أفْعَل » خبراً مقدماً ولو قيل به لم يكن خطأ، بل أقرب إلى الصَّواب(٣).
و«الميمنة » «مَفْعَلَة » من لفظ اليمين، وكذلك «المشأمة » من اليد الشؤمى وهي الشمال لتشاؤم العرب بها، أو من الشُّؤم(٤).
فصل في تحرير معنى الآية(٥)
قال السدي :«أصحاب الميمنةِ » هم الذين يؤخذ بهم ذات اليمين إلى الجنة، و«أصحاب المَشْأمة » هم الذين يؤخذ بهم ذات الشمال إلى النَّار(٦).
و«المَشْأمة » : الميسرة، وكذلك الشَّأمة، يقال : قعد فلان شأمة.
ويقال : شائم بأصحابك أي : خذ بهم شأمة أي : ذات الشمال والعرب تقول لليد الشمال : الشؤمى، وللجانب الشمال : الأشأم.
وكذلك يقال لما جاء عن اليمين : اليمن، ولما جاء عن الشمال : الشُّؤم.
قال البغوي(٧) :«ومنه سمي «الشَّام واليمن » ؛ لأن «اليمن » عن يمين الكعبة، و«الشام » عن شمالها ».
قال ابن عباس والسدي :«أصْحَابُ المَيْمَنَةِ » هم الذين كانوا عن يمين آدم حين أخرجت الذُّرية من صلبه، فقال الله لهم :«هؤلاء في الجنة ولا أبالي »(٨).
وقال زيد بن أسلم : هم الذين أخذوا من شق آدم الأيمن يومئذ، وأصحاب المشأمة الذين أخذوا من شق آدم الأيسر(٩).
وقال عطاء ومحمد بن كعب :«أصْحَابُ الميمنةِ من أوتي كتابه بيمينه، وأصحاب المشأمة من أوتي كتابه بشماله »(١٠).
وقال ابن جريج :«أصحاب الميمنة » هم أصحاب الحسنات، وأصحاب المشأمة ؛ هم أهل السيئات.
وقال الحسن والربيع :«أصحاب الميمنة » الميامين على أنفسهم بالأعمال الصالحة، وأصحاب المشأمة : المشائيم على أنفسهم بالأعمال السيئة.
وفي صحيح مسلم من حديث «الإسراء » عن أبي ذرٍّ عن النبي ﷺ قال :«فَلمَّا عَلوْنَا السَّماء الدُّنيا، فإذَا رجلٌ عن يَمينهِ أسْودةٌ، وعنْ يَسارِهِ أسودةٌ، قال فإذَا نظر قبل يَمينِه ضَحِكَ، وإذَا نَظَرَ قبلَ شمالِهِ بكَى، قال : فقال : مَرْحَباً بالنبيِّ الصَّالحِ والابْنِ الصَّالح، قال : فقُلْتُ : يا جِبْريلُ منْ هذَا ؟.
قال : هذا آدمُ - عليه الصلاة والسلام - وهذه الأسودةُ عن يمينه وعن شمالهِ بَنُوه فأهْلُ اليَمِينِ أهْلُ الجنَّةِ، والأسودةُ الَّتي عن شمالهِ أهْلُ النَّارِ » وذكر الحديث(١١).
وقال المبردُ :«أصحاب الميمنة » أصحاب التقدم، وأصحاب المشأمة أصحاب التأخُّر والعرب تقول : اجعلني في يمينك ولا تجعلني في شمالك أي : اجعلني من المتقدمين ولا تجعلني من المتأخرين(١٢).
ثم عجب نبيه ﷺ فقال :﴿مَا أَصْحَابُ الميمنة﴾ وهذا كما يقال :«زَيْدٌ مَا زَيْدٌ »، يريد «زيد شديد » فالتكرير في ﴿مَا أَصْحَابُ الميمنة﴾، و﴿مَا أَصْحَابُ المشأمة﴾ للتَّفخيم والتعجُّب، كقوله :﴿الحاقة مَا الحاقة﴾، و﴿القارعة مَا القارعة﴾ كما يقال :«زَيْدٌ ما زيدٌ ».
وفي حديث أم زرع رضي الله عنها :«مالك، وما مالك ؟ »(١٣).
والمقصود : تكثير ما لأصحاب الميمنة في الثواب، وأصحاب المشأمة من العقاب.
والفاء في قوله :«فأصْحَاب » تدل على التقسيم، وبيان ما ورد عليه التقسيم، كأنه قال : أزواجاً ثلاثة : أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة، والسابقون، وبين حال كل قسم فقال :﴿مَا أَصْحَابُ الميمنة﴾ وترك التقسيم أولاً، واكتفى بما يدل عليه بأن تُذكر الأقسام الثلاثة مع أحوالها.
فإن قيل : ما الحكمة في اختيار لفظ «المشأمة » في مقابلة «الميمنة » مع أنه قال في بيان أحوالهم ﴿وَأَصْحَابُ الشمال مَا أَصْحَابُ الشمال﴾ ؟
فالجواب : أنَّ اليمين وضع للجانب المعروف، واستعملوا منها ألفاظاً في مواضع فقالوا :«هذا ميمون » تيمناً به، ووضعوا مقابلة اليمين اليسار من الشيء اليسير إشارة إلى ضعفه، ولفظ الشمال في مقابلته، واستعملوا منه ألفاظاً تشاؤماً به، فذكر «المشأمة » [ في ](١٤) مقابلة [ «الميمنة » ](١٥) [ وذكر الشمال في مقابلة اليمين ](١٦) فاستعمل كل لفظ مع ما يقابله.
١ ينظر: الدر المصون ٦/٢٥٣..
٢ ينظر: "الكتاب" ١/٢٩١..
٣ ينظر الدر المصون ٦/٢٥٣، ٢٥٤..
٤ السابق..
٥ ينظر: القرطبي ١٧/١٢٩..
٦ ينظر القرطبي ١٧/١٢٩..
٧ ينظر: معالم التنزيل ٤/٢٨٠..
٨ ذكره البغوي في "تفسيره" (٤/٢٧٩)..
٩ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٧/١٢٩) عن زيد بن أسلم..
١٠ ينظر المصدر السابق..
١١ تقدم..
١٢ ينظر: القرطبي ١٧/١٢٩..
١٣ أخرجه البخاري (٩/١٦٣) كتاب النكاح، باب: حسن المعاشرة مع الأهل رقم (٥١٨٩) ومسلم (٤/١٨٩٦) كتاب فضائل الصحابة، باب ذكر حديث أمر زرع حديث (٩٢/٢٤٤٨) من حديث عائشة..
١٤ في ب: إلى..
١٥ في ب: اليمين..
١٦ سقط من ب..
٢ ينظر: "الكتاب" ١/٢٩١..
٣ ينظر الدر المصون ٦/٢٥٣، ٢٥٤..
٤ السابق..
٥ ينظر: القرطبي ١٧/١٢٩..
٦ ينظر القرطبي ١٧/١٢٩..
٧ ينظر: معالم التنزيل ٤/٢٨٠..
٨ ذكره البغوي في "تفسيره" (٤/٢٧٩)..
٩ ذكره القرطبي في "تفسيره" (١٧/١٢٩) عن زيد بن أسلم..
١٠ ينظر المصدر السابق..
١١ تقدم..
١٢ ينظر: القرطبي ١٧/١٢٩..
١٣ أخرجه البخاري (٩/١٦٣) كتاب النكاح، باب: حسن المعاشرة مع الأهل رقم (٥١٨٩) ومسلم (٤/١٨٩٦) كتاب فضائل الصحابة، باب ذكر حديث أمر زرع حديث (٩٢/٢٤٤٨) من حديث عائشة..
١٤ في ب: إلى..
١٥ في ب: اليمين..
١٦ سقط من ب..