تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور

عن الكتاب
والسلام : اسم للسلامة من المكروه، ويطلق على التحية، واللام في قوله :﴿لك﴾ للاختصاص.
والكلام إجمال للتنويه بهم وعلوّ مرتبتهم وخلاصهم من المكدرات لتذهب نفس السامع كل مذهب.
واختلف المفسرون في قوله :﴿فسلام لك من أصحاب اليمين﴾ فقيل : كاف الخطاب موجهة لغير معين، أي لكل من يسمع هذا الخبر. والمعنى : أن السلامة الحاصلة لأصحاب اليمين تسر من يبلغه أمرها. وهذا كما يقال : ناهيك به، وحسبك به، و ( من ) ابتدائية، واللفظ جرى مجرى المثل فطوي منه بعضه، وأصله : فلهم السلامة سلامة تسرّ من بلغه حديثها.
وقيل : الخطاب للنبيء ﷺ وتقرير المعنى كما تقدم لأن النبي ﷺ يُسرّ بما يناله أهل الإسلام من الكرامة عند الله وهم ممن شملهم لفظ ﴿أصحاب اليمين﴾. وقيل : الكلام على تقدير القول، أي فيقال له : سلام لك، أي تقول له الملائكة.
و ﴿من أصحاب اليمين﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي أنت من أصحاب اليمين، و ﴿من﴾ على هذا تبعيضية، فهي بشارة للمخاطب عند البعث على نحو قوله تعالى :﴿والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار﴾ [الرعد: ٢٣، ٢٤].
وقيل : الكاف خطاب لمن كان من أصحاب اليمين على طريقة الالتفات. ومقتضى الظاهر أن يقال : فسلام له، فعدل إلى الخطاب لاستحضار تلك الحالة الشريفة، أي فيسلم عليه أصحاب اليمين على نحو قوله تعالى :﴿وتحيتهم فيها سلام﴾ [يونس: ١٠] أي يبادرونه بالسلام، وهذا كناية عن كونه من أهل منزلتهم، و ﴿من﴾ على هذا ابتدائية.
فهذه محامل لهذه الآية يستخلص من مجموعها معنى الرفعة والكرامة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى