الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله :﴿لاَّبِثِينَ﴾ : منصوبٌ على الحالِ من الضميرِ المستترِ في " للطَّاغِين " وهي حالٌ مقدرةٌ. وقرأ حمزةُ " لَبِثِيْنَ " دونَ ألفٍ، والباقون " لابِثين " بها. وضَعَّفَ مكيٌّ قراءةَ حمزةَ، قال :" ومَنْ قرأ " لبِثين "، شَبَّهه بما هو خِلْقَةٌ في الإِنسان نحو : حَذِر وفَرِق، وهو بعيدٌ ؛ لأنَّ اللُّبْثَ ليس مِمَّا يكونُ خِلْقَةً في الإِنسان، وبابُ فَعِل إنما هو لِما يكونُ خِلْقَةً في الإِنسانِ، وليس اللُّبْثُ بخِلْقةٍ ". ورَجَّح الزمخشريُّ قراءةَ حمزةَ فقال :" قُرِىءَ : لابِثين ولَبِثين. والَّلبِثُ أَقْوى " ؛ لأنَّ اللابِثَ يُقال لِمَنْ وجِدَ منه الُّلبْثُ، ولا يُقال : لِبثٌ إلاَّ لمَنْ شأنُه الُّلبْثُ كالذي يَجْثُمُ بالمكانِ، لا يكاد يَنْفَكُّ منه ". قلت : وما قاله الزمخشريُّ أَصْوَبُ. وأمَّا قولُ مكيّ : الُّلبْثُ ليس خِلْقَةً فمُسَلَّمٌ ؛ لكنه بُوْلِغَ في ذلك فجُعِلَ بمنزلةِ الأشياءِ الخِلْقيَّة.
قوله :﴿أَحْقَاباً﴾ منصوبٌ على الظرفِ، وناصبهُ " لا بثين "، هذا هو المشهورُ. وقيل : هو منصوبٌ بقولِه " لا يَذُوقون " وهذا عند مَنْ يرى تقديمَ معمولِ ما بعد " لا " عليها، وهو أحدُ الأوجه، وقد تقدَّم هذا مستوفىً في أواخر الفاتحة. وجَوَّز الزمخشريُّ أَنْ ينتصِبَ على الحالِ، قال :" وفيه وجهٌ آخر : وهو أَنْ يكونَ مِنْ حَقِبَ عامُنا : إذا قَلَّ مطرُه وخيرُه، وحَقِبَ فلانٌ : إذا أَخْطَأَهُ الرِّزْقُ فهو حَقِبٌ، وجمعهُ أَحْقاب، فينتصِبُ حالاً عنهم بمعنى : لابثين فيها حَقِبين جَحِدين ". وقد تقدَّم الكلامُ على " الحُقُب "، وما قيل فيه في سورة الكهف.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى