زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿لابثين﴾ وقرأ حمزة ﴿لَبِثين﴾ والمعنى : فيهما واحد. يقال : هو لابث بالمكان، ولبث. ومثله طامع، وطمع، وفاره، وفره. وأما الأحقاب فجمع حقب، وقد ذكرنا الاختلاف فيه في [الْكَهْف: ٦٠].
فإن قيل : ما معنى ذكر الأحقاب، وخلودهم في النار لا نفاذ له ؟ فعنه جوابان :
أحدهما : أن هذا لا يدل على غاية، لأنه كلما مضى حقب تبعه حقب.
ولو أنه قال " لابثين فيها عشرة أحقاب أو خمسة " دل على غاية، هذا قول ابن قتيبة، والجمهور. وبيانه أن زمان أهل الجنة والنار يُتصور دخوله تحت العدد، وإن لم يكن لها نهاية.
والثاني : أن المعنى : أنهم يلبثون فيها أحقابا ﴿لاَّ يَذُوقُونَ﴾ في الأحقاب ﴿بَرْداً وَلاَ شَرَاباً﴾ فأما خلودهم في النار فدائم. هذا قول الزجاج. وبيانه أن الأحقاب حد لعذابهم بالحميم والغساق، فإذا انقضت الأحقاب عذبوا بغير ذلك من العذاب. وفي المراد ﴿بالبرد﴾ ثلاثة أقوال :
أحدها : أنه برد الشراب. روى أبو صالح عن ابن عباس. قال : لا يذوقون فيها برد الشراب، ولا الشراب.
والثاني : أنه الرَّوح والراحة، قاله الحسن، وعطاء.
والثالث : أنه النوم، قاله مجاهد، والسدي، وأبو عبيدة، وابن قتيبة، وأنشدوا :
فإن شئت حرمت النساء سواكموإن شئت لم أطعم نُقاخا ولا بردا
قال ابن قتيبة : النقاخ : الماء، والبرد : النوم، سمي بذلك لأنه تبرد فيه الحرارة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى