البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
والخطاب في ﴿أنذرناكم﴾ لمن حضر النبي ﷺ، واندرج فيه من يأتي بعدهم، ﴿عذاباً﴾ : هو عذاب الآخرة لتحقق وقوعه، وكل آت قريب.
﴿يوم ينظر المرء﴾ : عام في المؤمن والكافر.
﴿ما قدمت يداه﴾ من خير أو شر لقيام الحجة له وعليه.
وقال الزمخشري، وقاله قبله عطاء : المرء هو الكافر لقوله :﴿إنا أنذرناكم عذاباً قريباً﴾، والكافر ظاهر وضع موضع الضمير لزيادة الذم.
ومعنى ﴿ما قدمت يداه﴾ من الشر لقوله :﴿وذوقوا عذاب الحريق ذلك بما قدمت أيديكم﴾ وقال ابن عباس وقتادة والحسن : المرء هنا المؤمن، كأنه نظر إلى مقابله في قوله :﴿ويقول الكافر﴾.
وقرأ الجمهور :﴿المرء﴾ بفتح الميم ؛ وابن أبي إسحاق بضمها ؛ وضعفها أبو حاتم، ولا ينبغي أن تضعف لأنها لغة يتبعون حركة الميم لحركة الهمزة فيقولون : مرؤ ومرأ ومرء على حسب الإعراب، وما منصوب بينظر ومعناه : ينتظر ما قدّمت يداه، فما موصولة.
ويجوز أن يكون ينظر من النظر، وعلق عن الجملة فهي في موضع نصب على تقدير إسقاط الخافض، وما استفهامية منصوبة تقدّمت، وتمنيه ذلك، أي تراباً في الدنيا، ولم يخلق أو في ذلك اليوم.
وقال أبو هريرة وعبد الله بن عمر : إن الله تعالى يحضر البهائم يوم القيامة فيقتص من بعضها لبعض، ثم يقول لها بعد ذلك : كوني تراباً، فتعود جميعها تراباً، فإذا رأى الكافر ذلك تمنى مثله.
وقيل : الكافر هنا إبليس، إذا رأى ما حصل للمؤمنين من الثواب قال :﴿يا ليتني كنت تراباً﴾ كآدم الذي خلق من تراب واحتقره هو أوّلاً.
وقيل :﴿تراباً﴾ : أي متواضعاً لطاعة الله تعالى، لا جباراً ولا متكبراً.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى