فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
لما استدل سبحانه على وجوده وكمال قدرته وبديع صنعته بعجائب أحوال الحيوانات، أراد أن يذكر الاستدلال على المطلوب بغرائب أحوال النبات فقال :﴿هُوَ الذي أَنْزَلَ مِنَ السماء﴾ أي : من جهة السماء، وهي السحاب ﴿مَاء﴾ أي : نوعاً من أنواع الماء، وهو المطر ﴿لَكُم مَّنْهُ شَرَابٌ﴾ يجوز أن يتعلق ﴿لكم﴾ ب﴿أنزل﴾ أو هو خبر مقدّم، وشراب مبتدأ مؤخر، والجملة صفة لماء ﴿وَمِنْهُ﴾ في محل نصب على الحال، والشراب : اسم لما يشرب كالطعام لما يطعم، والمعنى : أن الماء النازل من السماء قسمان : قسم يشربه الناس، ومن جملته ماء الآبار والعيون، فإنه من المطر لقوله :﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الأرض﴾ [الزمر: ٢١] وقسم يحصل منه شجر ترعاه المواشي. قال الزجاج : كل ما ينبت من الأرض فهو شجر، لأن التركيب يدل على الاختلاط، ومنه تشاجر القوم إذا اختلط أصوات بعضهم بالبعض، ومعنى الاختلاط حاصل في العشب والكلأ وفيما له ساق. وقال ابن قتيبة : المراد من الشجر في الآية الكلأ، وقيل : الشجر : كل ماله ساق كقوله تعالى :﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ [الرحمن: ٦]. والعطف يقتضي التغاير، فلما كان النجم ما لا ساق له، وجب أن يكون الشجر ما له ساق، وأجيب بأن عطف الجنس على النوع جائز ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أي : في الشجر ترعون مواشيكم، يقال : سامت السائمة تسوم سوماً رعت فهي سائمة، وأسمتها، أي : أخرجتها إلى الرعي فأنا مسيم وهي مسامة وسائمة، وأصل السوم : الإبعاد في المرعى. قال الزجاج : أخذ من السومة، وهي العلامة، لأنها تؤثر في الأرض علامات برعيها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرض﴾ قال : ما خلق لكم في الأرض مختلفاً من الدواب، والشجر والثمار، نعم من الله متظاهرة، فاشكروها لله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في قوله :﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا﴾ يعني : حيتان البحر ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ قال : هذا اللؤلؤ. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله :﴿وَهُوَ الذي سَخَّرَ البحر لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا﴾ قال : هو السمك وما فيه من الدواب. وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جعفر، قال : ليس في الحلى زكاة، ثم قرأ ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾. أقول : وفي هذا الاستدلال نظر. والذي ينبغي التعويل عليه أن الأصل البراءة من الزكاة حتى يرد الدليل بوجوبها في شيء من أنواع المال فتلزم، وقد ورد في الذهب والفضة ما هو معروف، ولم يرد في الجواهر على اختلاف أصنافها ما يدلّ على وجوب الزكاة فيها. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﴿مَوَاخِرَ﴾ قال : جواري. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة ﴿مَوَاخِرَ﴾ قال : تشقّ الماء بصدرها. وأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الضحاك ﴿مَوَاخِرَ﴾ قال : السفينتان تجريان بريح واحدة مقبلة ومدبرة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله :﴿وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾ قال : هي التجارة. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿رَوَاسِي﴾ قال : الجبال ﴿أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ قال : حتى لا تميد بكم، كانوا على الأرض تمور بهم لا تستقرّ، فأصبحوا صبحاً وقد جعل الله الجبال، وهي الرواسي أوتاداً في الأرض. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في قوله :﴿وَسُبُلاً﴾ قال : السبل هي الطرق بين الجبال. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخطيب عن قتادة ﴿وَسُبُلاً﴾ قال : طرقاً ﴿وعلامات﴾ قال : هي النجوم. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي في الآية قال : علامات النهار الجبال. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن الكلبي ﴿وعلامات﴾ قال : الجبال : وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس ﴿وعلامات﴾ يعني : معالم الطرق بالنهار ﴿وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ يعني بالليل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ﴾ قال : الله هو الخالق الرازق، وهذه الأوثان التي تعبد من دون الله تخلق ولا تُخلق شيئاً، ولا تملك لأهلها ضرّاً ولا نفعاً.