زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ﴾، اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال :
أحدها : أنها نزلت فيمن كان يفتن بمكة من أصحاب رسول الله ﷺ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس.
والثاني : أن قوما من المسلمين خرجوا للهجرة، فلحقهم المشركون فأعطوهم الفتنة، فنزل فيهم :﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يِقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أوذي في اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: ١٠]، فكتب المسلمون إليهم بذلك، فخرجوا، وأدركهم المشركون فقاتلوهم حتى نجا من نجا، وقتل من قتل، فنزلت فيهم هذه الآية، رواه عكرمة عن ابن عباس.
والثالث : أنها نزلت في عبد الله بن سعد بن أبي سرح، كان الشيطان قد أزله حتى لحق بالكفار، فأمر به رسول الله ﷺ أن يقتل يوم الفتح، فاستجار له عثمان بن عفان، فأجاره رسول الله ﷺ، وهذا مروي عن ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وفيه بعد ؛ لأن المشار إليه وإن كان قد عاد إلى الإسلام، فإن الهجرة انقطعت بالفتح.
والرابع : أنها نزلت في عياش بن أبي ربيعة، وأبي جندل بن سهيل بن عمرو، وعبد الله بن أسيد الثقفي، قاله مقاتل.
فأما قوله تعالى :﴿مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ﴾، فقرأ الأكثرون :﴿فتنوا﴾، بضم الفاء وكسر التاء، على معنى : من بعد ما فتنهم المشركون عن دينهم. قال ابن عباس : فتنوا بمعنى : عذبوا. وقرأ عبد الله بن عامر :" فتنوا "، بفتح الفاء والتاء، على معنى : من بعد ما فتنوا الناس عن دين الله، يشير إلى من أسلم من المشركين. وقال أبو علي : من بعد ما فتنوا أنفسهم بإظهار ما أظهروا للتقية ؛ لأن الرخصة لم تكن نزلت بعد.
قوله تعالى :﴿ثُمَّ جَاهَدُواْ﴾، أي : قاتلوا مع رسول الله ﷺ، ﴿وَصَبَرُواْ﴾ على الدين والجهاد. ﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾، في المكني عنها أربعة أقوال :
أحدها : الفتنة، وهو مذهب مقاتل. والثاني : الفعلة التي فعلوها، قاله الزجاج. والثالث : المجاهدة، والمهاجرة، والصبر. والرابع : ذكرهما واللذين قبلهما ابن الأنباري.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى