تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي

عن الكتاب
هذا مثل أريد به أهل مكة؟ فإنها كانت آمنة مطمئنة مستقرة يتخطف الناس من حولها، ومن دخلها كان آمناً لا يخاف، كما قال تعالى :﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَماً آمِناً يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقاً مِّن لَّدُنَّا﴾ [القصص: ٥٧]، وهكذا قال هاهنا ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً﴾، أي هنيئاً سهلاً، ﴿مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله﴾ أي جحدت آلاء الله عليها وأعظمها بعثة محمد ﷺ إليهم، كما قال تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ نِعْمَةَ الله كُفْراً وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ القرار﴾ [إبراهيم: ٢٨-٢٩] ولهذا بدلهم الله بحاليهم الأولين خلافهما فقال :﴿فَأَذَاقَهَا الله لِبَاسَ الجوع والخوف﴾ أي ألبسها وأذاقها الجوع بعد أن كان يجبى إليها ثمرات كل شيء ويأتيها رزقها رغداً من كل مكان، وذلك أنهم استعصوا على رسول الله ﷺ وأبو إلا خلافه، فدعا عليهم بسبع كسبع يوسف، فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء لهم، فأكلوا العلهز، وهو وبر يخلط بدمه إذا نحروه. وقوله :﴿والخوف﴾ وذلك أنهم بدلوا بأمنهم خوفاً من رسول الله ﷺ وأصحابه، حين هاجروا إلى المدينة من سطوته وسراياه وجيوشه، وجعل كل ما لهم في دمار وسفال، حتى فتحها الله على رسوله، ﷺ وذلك بسبب صنيعهم وبغيهم وتكذيبهم الرسول ﷺ الذي بعثه الله فيهم منهم وامتن به عليهم في قوله :﴿لَقَدْ مَنَّ الله عَلَى المؤمنين إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤] الآية. وهذا الذي قلناه من أن هذا المثل ضرب لأهل مكة قاله ابن عباس، وإليه ذهب مجاهد وقتادة والزهري رحمهم الله.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى