جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يقول الله تعالى ذكره : ومثل الله مثلاً لمكّة التي سكانها أهل الشرك بالله هي القرية التي كانت آمنة مطمئنة. وكان أمنها أن العرب كانت تتعادى ويقتل بعضها بعضا ويَسْبِي بعضها بعضا، وأهل مكة لا يُغار عليهم ولا يحارَبون في بلدهم، فذلك كان أمنها. وقوله :﴿مُطْمَئِنّةً﴾، يعني : قارّة بأهلها، لا يحتاج أهلها إلى النّجْع كما كان سكان البوادي يحتاجون إليها. ﴿يَأتِيها رِزْقُها رَغَدا﴾، يقول : يأتي أهلها معايشهم واسعة كثيرة. وقوله :﴿مِنْ كُلّ مَكانٍ﴾، يعني : من كلّ فجّ من فِجاج هذه القرية ومن كل ناحية فيها.
وبنحو الذي قلنا في أن القرية التي ذُكرت في هذا الموضع أريد بها مكة قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن سعد، قال : ثني أبي، قال : ثني عمي، قال : ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله :﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدا مِنْ كُلّ مَكانٍ﴾، يعني : مكة.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى وحدثني الحارث، قال : حدثنا الحسن، قال : حدثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد :﴿قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنّةً﴾، قال : مكة.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد، مثله.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة، قوله :﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنّةً﴾، قال : ذُكر لنا أنها مكة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال : حدثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة :﴿قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً﴾، قال : هي مكة.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد، في قوله :﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنّةً. . .﴾ إلى آخر الآية. قال : هذه مكة.
وقال آخرون : بل القرية التي ذكر الله في هذا الموضع مدينة الرسول ﷺ. ذكر من قال ذلك :
حدثني ابن عبد الرحيم البرقيّ، قال : حدثنا ابن أبي مريم، قال : أخبرنا نافع بن يزيد، قال : ثني عبد الرحمن بن شريح، أن عبد الكريم بن الحارث الحضرميّ، حدث أنه سمع مِشْرَحَ بن عاهانَ، يقول : سمعت سليم بن نمير يقول : صدرنا من الحجّ مع حفصة زوج النبيّ ﷺ وعثمان محصور بالمدينة فكانت تسأل عنه ما فعل، حتى رأت راكبين، فأرسلت إليهما تسألهما، فقالا : قُتل فقالت حفصة : والذي نفسي بيده إنها القرية، تعني : المدينة التي قال الله تعالى :﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَدا مِنْ كُلّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بأنْعُمِ اللّهِ﴾ قرأها. قال أبو شريح : وأخبرني عبد الله بن المغيرة عمن حدثه، أنه كان يقول : إنها المدينة. وقوله :﴿فَكَفَرَتْ بأنْعُمِ اللّهِ﴾، يقول : فكفر أهل هذه القرية بأنعم الله التي أنعم عليها.
واختلف أهل العربية في واحد «الأَنْعُم »، فقال بعض نحويّي البصرة : جمع النعمة على أنعم، كما قال الله :﴿حتى إذَا بَلَغَ أشُدّهُ﴾ فزعم أنه جمع الشّدّة. وقال آخر منهم : الواحد نُعْم، وقال : يقال : أيام طُعْم ونُعْم : أي : نعيم، قال : فيجوز أن يكون معناها : فكفرت بنعيم الله لها. واستشهد على ذلك بقول الشاعر :
| وعندي قُرُوضُ الخَيرِ والشّرّ كلّه | فبُؤْسٌ لذي بُؤْسٍ ونُعْمٍ بأنْعُمِ |
وقوله :﴿فأذَاقَها اللّهُ لِباسَ الجُوعِ والخَوْفِ﴾، يقول تعالى ذكره : فأذاق الله أهل هذه القرية لباس الجوع، وذلك جوع خالط أذاه أجسامهم، فجعل الله تعالى ذكره ذلك لمخالطته أجسامهم بمنزلة اللباس لها. وذلك أنهم سلط عليهم الجوع سنين متوالية بدعاء رسول الله ﷺ، حتى أكلوا العِلْهِزَ والجِيَف. قال أبو جعفر : والعلهز : الوبر يعجن بالدم والقُراد يأكلونه. وأما الخوف فإن ذلك كان خوفهم من سرايا رسول الله ﷺ التي كانت تطيف بهم. وقوله :﴿بِمَا كانُوا يَصْنَعُونَ﴾ يقول : بما كانوا يصنعون من الكفر بأنعم الله، ويجحدون آياته، ويكذّبون رسوله. وقال :﴿بما كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، وقد جرى الكلام من ابتداء الآية إلى هذا الموضع على وجه الخبر عن القرية ؛ لأن الخبر وإن كان جرى في الكلام عن القرية استغناء بذكرها عن ذكر أهلها لمعرفة السامعين بالمراد منها، فإن المراد أهلها فلذلك قيل :﴿بِمَا كانُوا يَصْنَعُونَ﴾، فردّ الخبر إلى أهل القرية، وذلك نظير قوله :﴿فجاءَها بأْسُنا بَياتا أوْ هُمْ قائِلُونَ﴾، ولم يقل قائلة، وقد قال قبله :﴿فَجاءَها بأْسُنا﴾ ؛ لأنه رجع بالخبر إلى الإخبار عن أهل القرية، ونظائر ذلك في القرآن كثيرة.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
واختلف أهل العربية في السبب الذي من أجله قيل تجادل، فأنَّث الكلّ، فقال بعض نحويِّي البصرة: قيل ذلك لأن معنى كلّ نفس: كلّ إنسان، وأنث لأن النفس تذكر وتؤنث، يقال: ما جاءني نفس واحد وواحدة. وكان بعض أهل العربية يرى هذا القول من قائله غلطا ويقول: كلّ إذا أضيفت إلى نكرة واحدة خرج الفعل على قدر النكرة، كلّ امرأة قائمة، وكل رجل قائم، وكل امرأتين قائمتان، وكل رجلين قائمان، وكل نساء قائمات، وكل رجال قائمون، فيخرج على عدد النكرة وتأنيثها وتذكيرها، ولا حاجة به إلى تأنيث النفس وتذكيرها.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾
يقول الله تعالى ذكره: ومثل الله مثلا لمكة التي سكنها أهل الشرك بالله هي القرية التي كانت آمنة مطمئنة، وكان أمنها أن العرب كانت تتعادى، ويقتل بعضها بعضا، ويَسْبي بعضها بعضا، وأهل مكة لا يغار عليهم، ولا يحارَبون في بلدهم، فذلك كان أمنها. وقوله (مُطْمَئِنَّةً) يعني: قارّة بأهلها، لا يحتاج أهلها إلى النَّجْع، كما كان سكان البوادي يحتاجون إليها (يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا) يقول: يأتي أهلها معايشهم واسعة كثيرة. وقوله (مِنْ كُلِّ مَكَانٍ) يعني: من كلّ فجّ من فِجاج هذه القرية، ومن كلّ ناحية فيها.
وبنحو الذي قلنا في أن القرية التي ذُكِرت في هذا الموضع أريد بها مكة، قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (وَضَرَبَ
حدثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعا عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد (قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً) قال: مكة.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد. مثله.
حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً) قال: ذّكر لنا أنها مكة.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن مَعْمر، عن قتادة (قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً) قال: هي مكة.
حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً)... إلى آخر الآية. قال: هذه مكة.
وقال آخرون: بل القرية التي ذكر الله في هذا الموضع مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم.
* ذكر من قال ذلك:
حدثني ابن عبد الرحيم البرقيّ، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أخبرنا نافع بن يزيد، قال: ثني عبد الرحمن بن شريح، أن عبد الكريم بن الحارث الحضرميّ، حدث أنه سمع مِشْرَح بن عاهانَ، يقول: سمعت سليم بن نمير يقول: صدرنا من الحجّ مع حفصة زوج النبيّ صلى الله عليه وسلم، وعثمان محصور بالمدينة، فكانت تسأل عنه ما فعل، حتى رأت راكبين، فأرسلت إليهما تسألهما، فقالا قُتِل فقالت حفصة: والذي نفسي بيده إنها القرية، تعني المدينة التي قال الله تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ) قرأها، قال أبو شريح: وأخبرني عبد الله بن المغيرة عمن حدثه، أنه كان يقول: إنها المدينة، وقوله: (فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ) يقول: فكفر أهل هذه القرية بأنعم الله التي أنعم عليها.
| وعندي قُرُوضُ الخَيرِ والشَّرّ كلِّه | فبُؤْسٌ لِذي بُؤْسٍ ونُعْمٍ بأنْعُمِ (١) |
وقوله (فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ) يقول تعالى ذكره: فأذاق الله أهل هذه القرية لباس الجوع، وذلك جوع خالط أذاه أجسامهم، فجعل الله تعالى ذكره ذلك لمخالطته أجسامهم بمنزلة اللباس لها. وذلك أنهم سلط عليهم الجوع سنين متوالية بدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أكلوا العلهز والجِيَف. قال أبو جعفر: والعلهز: الوبر يعجن بالدم والقُراد يأكلونه؛ وأما الخوف فإن ذلك كان خوفهم من سرايا رسول الله ﷺ التي كانت تطيف بهم. وقوله (بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) يقول: بما كانوا يصنعون من الكفر بأنعم الله، ويجحدون آياته، ويكذّبون رسوله، وقال: بما كانوا يصنعون، وقد جرى الكلام من ابتداء الآية إلى هذا الموضع على وجه الخبر عن القرية، لأن الخبر وإن كان جرى في الكلام عن القرية، استغناء بذكرها عن ذكر أهلها لمعرفة السامعين بالمراد منها، فإن المراد أهلها فلذلك قيل (بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ) فردّ الخبر إلى أهل القرية، وذلك نظير قوله (فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ) ولم يقل قائلة، وقد قال قبله (فَجَاءَهَا بَأْسُنَا)، لأنه رجع بالخبر إلى الإخبار عن أهل القرية، ونظائر ذلك في القرآن كثيرة.
| فَلَنْ أذْكُر النُّعْمَانَ إلاَّ بِصَالِحٍ | فإنَّ لَهُ عِنْدِي يُدِيًّا وأنْعُما |