زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً﴾، في هذه القرية قولان :
أحدهما : أنها مكة، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والجمهور، وهو الصحيح.
والثاني : أنها قرية أوسع الله على أهلها حتى كانوا يستنجون بالخبز، فبعث الله عليهم الجوع حتى كانوا يأكلون ما يقعدون، قاله الحسن. فأما ما يروى عن حفصة أنها قالت : هي المدينة، فذلك على سبيل التمثيل، لا على وجه التفسير، وبيانه : ما روى سليم بن عنز، قال : صدرنا من الحج مع حفصة، وعثمان محصور بالمدينة، فرأت راكبين فسألتهما عنه، فقالا : قتل، فقالت : والذي نفسي بيده إنها للقرية، تعني : المدينة، التي قال الله تعالى في كتابه :﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً﴾، تعني حفصة : أنها كانت على قانون الاستقامة في أيام النبي ﷺ، وأبي بكر وعمر رضي الله عنهما، ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾، عند قتل عثمان رضي الله عنه. ومعنى ﴿كَانَتْ آمِنَةً﴾، أي : ذات أمن يأمن فيها أهلها أن يغار عليهم، ﴿مُّطْمَئِنَّةً﴾، أي : ساكنة بأهلها لا يحتاجون إلى الانتقال عنها لخوف أو ضيق. وقد شرحنا معنى الرغد في البقرة :[ ٣٥، ٥٨ ].
وقوله :﴿مّن كُلّ مَكَانٍ﴾، أي : يجلب إليها من كل بلد، وذلك كله بدعوة إبراهيم عليه السلام، ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾، بتكذيبهم رسول الله ﷺ.
وفي واحد الأنعم قولان :
أحدهما : أن واحدها " نعم "، قاله أبو عبيدة، وابن قتيبة.
والثاني :" نعمة "، قاله الزجاج. قال ابن قتيبة : ليس قول من قال : هو جمع " نعمة " بشيء ؛ لأن " فعلة " لا تجمع على " أفعل "، وإنما هو جمع " نعم "، يقال : يوم نعم، ويوم بؤس، ويجمع " أنعما "، و " أبؤسا ".
قوله تعالى :﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾، وروى عبيد بن عقيل، وعبد الوارث عن أبي عمرو :" والخوف " بنصب الفاء. وأصل الذوق إنما هو بالفم، وهذا استعارة منه، وقد شرحنا هذا المعنى في آل عمران :[ ١٠٦، ١٨٥ ]. وإنما ذكر اللباس هاهنا تجوزا، لما يظهر عليهم من أثر الجوع والخوف، فهو كقوله :﴿وَلِبَاسُ التَّقْوَى﴾ [الأعراف: ٢٦]، وذلك لما يظهر على المتقي من أثر التقوى. قال المفسرون : عذبهم الله بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام المحترقة. فأما الخوف، فهو خوفهم من رسول الله ﷺ ومن سراياه التي كان يبعثها حولهم. والكلام في هذه الآية خرج على القرية، والمراد أهلها، ولذلك قال :﴿بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾، يعني به : بتكذيبهم لرسول الله ﷺ وإخراجهم إياه وما هموا به من قتل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى