غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراآت :﴿بما ينزل﴾، من الإنزال، ابن كثير وأبو عمرو :﴿يلحدون﴾، بفتح الياء والحاء : حمزة وعلي وخلف. ﴿فتنوا﴾ مبنياً للفاعل : ابن عامر. ﴿والخوف﴾ بالنصب : عباس ﴿إبراهام﴾ هشام وما بعده والأخفش عن ابن ذكوان. ﴿في ضيق﴾ بالكسر : ابن كثير وكذلك في " النمل ". الآخرون بالفتح.
الوقوف :﴿مكان آية﴾، لا ؛ لأن جواب " إذا " هو " قالوا "، وقوله :﴿والله أعلم بما ينزل﴾، جملة معترضة. ﴿مفتر﴾، ط. ﴿لا يعلمون﴾ ٥. ﴿للمسلمين﴾ ٥. ﴿بشر﴾، ط. ﴿مبين﴾ ٥. ﴿بآيات الله﴾، لا ؛ لأن ما بعده خبر " إن ". ﴿أليم﴾ ٥. ﴿بآيات الله﴾ ج ؛ لاختلاف الجملتين مع العطف. ﴿الكاذبون﴾ ٥. ﴿غضب من الله﴾، ج ؛ لانقطاع النظم مع اتصال المعنى. ﴿عظيم﴾ ٥ ﴿على الآخرة﴾، لا ؛ للعطف. ﴿الكافرين﴾ ٥. ﴿وأبصارهم﴾، ط ؛ لاختلاف الجملتين. ﴿الغافلون﴾ ٥. ﴿الخاسرون﴾ ٥. ﴿وصبروا﴾، لا ؛ لأن " إن " الثانية تكرار الأولى ؛ لطول الكلام بصلته، وخبرهما واحد. ﴿رحيم﴾ ٥. ﴿لا يظلمون﴾ ٥. ﴿يصنعون﴾ ٥. ﴿ظالمون﴾ ٥. ﴿طيباً﴾، ص ؛ لعطف المتفقتين. ﴿تعبدون﴾ ٥. ﴿لغير الله به﴾، ج. ﴿رحيم﴾ ٥. ﴿على الله الكذب﴾، ط. ﴿لا يفلحون﴾، ط، ٥. ﴿قليل﴾، ص ؛ لعطف المتفقتين، ولاسيما إذا قدر لهم متاع. ﴿أليم﴾ ٥. ﴿من قبل﴾، ج ؛ لابتداء النفي مع العطف. ﴿يظلمون﴾، ٥. ﴿وأصلحوا﴾، لا ؛ لما مر. ﴿رحيم﴾ ٥. ﴿حنيفاً﴾، ط. ﴿من المشركين﴾ ٥، لا ؛ لأن ﴿شاكر﴾ وصف آخر أو بدل من ﴿حنيفاً﴾. ﴿لا نعمة﴾، ط. ﴿مستقيم﴾، ٥. ﴿حسنة﴾ ط. ﴿الصالحين﴾، ط ٥ ؛ لأن " ثم " لترتيب الأخبار. ﴿حنيفاً﴾، ط ٥. ﴿المشركين﴾، ط ٥. ﴿اختلفوا فيه﴾، ط. ﴿يختلفون﴾، ٥. ﴿أحسن﴾، ط. ﴿بالمهتدين﴾، ٥. ﴿عوقبتم به﴾، ط. ﴿للصابرين﴾، ٥. ﴿يمكرون﴾، ٥. ﴿محسنون﴾، ٥.
ثم أوعد الكفار بآفات الدنيا أيضاً فقال :﴿وضرب الله مثلاً قرية﴾، يحتمل أن تكون مقدرة، وأن تكون معينة موجودة، إما مكة أو غيرها. وذهب كثير من المفسرين إلى أنها مكة، والأقرب أنها غيرها ؛ لأن مثل مكة يكون غير مكة، فضربها الله مثلاً لمكة إنذاراً من مثل عاقبتها. قال العقلاء : ثلاثة ليس لها نهاية : الأمن والصحة والكفاية. فوصف الله تعالى تلك القرية بالأمن، ثم بالاطمئنان، إشارة إلى أن هواء ذلك البلد لاعتداله ملائم لأمزجة أهله حتى اطمأنوا واستقروا ولم يحوجوا إلى الانتقال طلباً للصحة. ثم قال :﴿يأتيها رزقها رغداً من كل مكان﴾، دلالة على حصول الكفاف لهم بأيسر وجه. قال الكشاف : الأنعم جمع نعمة، على ترك الاعتداد بالتاء، كدرع وأدرع، أو جمع نعم، كبؤس وأبؤس. قلت : لعله حمله على ذلك طلب الضبط، وإلا فلا حاجة إلى هذا التكلف. وكذا أطلق الأكثرون أن جمع " فعلة " يجيء على " أفعل ". قيل : إنما ذكر جمع القلة تنبيهاً بالأدنى على الأعلى، يعني أن كفران النعمة القليلة يوجب العذاب، فكيف بكفران النعم الكثيرة العظيمة. وهذا مثل لأهل مكة كانوا في الأمن والطمأنينة والخصب، ثم أنعم الله عليهم بالنعمة العظيمة - وهو محمد صلى الله عليه وسلم- فكفروا بها وبالغوا في إيذائه، فسلط الله عليهم البلاء. عذبهم بالجوع سبع سنين حتى أكلوا الجيف والعظام والعلهز والفرو، وكان النبي ﷺ يبعث إليهم السرايا فيغيرون عليهم. نقل أن ابن الراوندي قال لابن الأعرابي الأديب : هل يذاق اللباس ؟ قال ابن الأعرابي : لا بأس أيها النسناس، هب أن محمداً ﷺ ما كان نبياً، أما كان عربياً ؟ كأنه طعن في الآية أن المناسب هو أن لو قيل :" فكساها الله لباس الجوع "، أو " فأذاقها الله طعم الجوع "، فردّ عليه ابن الأعرابي. والذي أجاب به علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة، وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف ؛ لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائماً للمستعار له وهو الجوع والخوف ؛ لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة، فيقولون : ذاق فلان البؤس والضر وأذاقه غيره. فكانت الاستعارة مجردة. ولو قال :" فكساها " كانت مرشحة، وقد سلف منا تقرير هذا الاصطلاح في المقدمة التاسعة من مقدمات الكتاب. وترشيح الاستعارة وإن كان مستحسناً من جهة المبالغة إلا أن للتجريد ترجيحاً من حيث إنه روعي جانب المستعار له، فازداد الكلام وضوحاً. وقيل : إن أصل الذوق بالفم، ثم قد يستعار فيوضع موضع التعرّف والاختبار فتقول : أناظر فلاناً فأذوق ما عنده.
ومن يذق الدنيا فإني طعمتهاوسيق إلينا عذبها وعذابها
فمعنى " ذقت لباس الجوع والخوف على فلان " : تعرفت ما ظهر عليه من الضمور وشحوبة اللون وتغير الحال وكسوف البال. ففحوى الآية عرفها الله أثر لباس الجوع. وقيل : حمل اللباس على المماسة، والتقدير : فأذاقها الله مساس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون. قال ابن عباس : يريد بفعلهم بالنبي ﷺ من التكذيب والهم بقتله والإخراج من مكة. قال الفراء : كل الصفات أجريت على القرية إلا قوله :﴿يصنعون﴾، تنبيهاً على أن المراد في الحقيقة أهلها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿وإذا بدلنا آية﴾، إنه تعالى يعالج بدواء القرآن أمراض القلوب في كل وقت بنوع آخر على حسب ما يعلمه من المصالح فلذلك قال :﴿والله أعلم بما ينزل﴾، ﴿وبشرى للمسلمين﴾ الذين استسلموا للطبيب ومعالجته حتى صارت قلوبهم سليمة. ﴿إنما يعلمه بشر﴾، ففيه إنكار أن طب القلوب وعلاجها من شأن البشر بنظر العقلح لأنه مبني على معرفة الأمراض وكميتها وكيفيتها، ومعرفة الأدوية وخواصها وكيفية استعمالها، ومعرفة الأمزجة واختلاف أحوالها، وأن القلوب بيد الله يقلبها هو كيف يشاء فيضيق عن معالجتها نطاق عقول البشر، ولهذا قال إبراهيم ﷺ :﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ [الشعراء: ٨٠] اللَّهم إلا إذا علم بتعليم الله كقوله :﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ [النساء: ١١٣]، ومع هذا كان يقول نحن نحكم بالظاهر. ﴿يلحدون إليه أعجمي﴾، هو الذي لا يفهم من كلام الله أسراره وحقائقه والعربي ضده كما قال :﴿فإنما يسرناه بلسانك﴾ [مريم: ٩٧]، ﴿إنما يفتري الكذب﴾ ؛ لأن الافتراء من شأن النفس الأمارة الكافرة التي لا تؤمن بآيات الله. ﴿وأولئك هم الكاذبون﴾، أي : هم الذين استمروا على الكذب ؛ لأن المؤمن قد يكذب في بعض الأحوال إلا أنه لا يصر على ذلك، وهكذا في جميع المعاصي، ولهذا لا يخرج من الإيمان بالكلية ولكن ينقص الكذب إيمانه ويرجع بالتوبة إلى أصله. قال النبي ﷺ :" ما يزال العبد يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً ". ﴿من كفر بالله من بعد إيمانه﴾، إشارة إلى المريد المرتد بنسيم روائح نفحات الحق بمشام قلبه عند هبوبه، واصطكاك أهوية عوالم الباطن، وانخراق سحب حجب البشرية فلمع له برق أضاءت به آفاق سماء القلب وأشرقت أرض النفس، فآمن بحقية الطلب واحتمال التعب فاستوقد نار الشوق والمحبة، فما أضاءت ما حوله وبذل في الاجتهاد جده وحوله هبت نكباء النكبات فصدئت مرآة قلبه، وذهب الله بنوره وانخمدت نار الطلب وآل المشؤوم إلى طبعه. ﴿إلا من أكره﴾، على مباشرة فعل أو قول يخالف الطريقة من معاملات أهل الطبيعة فيوافقهم فيها في الظاهر ويخالفهم بالباطن حتى يخلص من شؤم صحبتهم، ﴿استحبوا﴾، اختاروا محبة الدنيا وشهواتها على محبة الله، ﴿وإن الله لا يهدي﴾، إلى حضرته، ﴿القوم الكافرين﴾ بنعمته، ﴿وأولئك هم الغافلون﴾، عما أعدّ الله لعباده الصالحين. ﴿هم الخاسرون﴾ ؛ لأن الإغضاء عن العبودية يورث خسران القلوب عن مواهب الربوبية، ﴿ثم إن ربك للذين هاجروا﴾ نفوسهم وهواهم، من بعد ما فتنوا }، بمخالفة أوامر الحق ونواهيه، ﴿ثم جاهدوا﴾، النفوس بسيوف الرياضات، ﴿وصبروا﴾ على تزكيتها وتحليتها متمسكين بذيل إرادة الشيخ، ﴿يوم تأتي﴾ أرباب النفوس، ﴿تجادل على نفسها﴾، على قدر بقاء وجودها دفعاً لمضارّها وجذباً لمنافعها، حتى إن كل نبي يقول نفسي نفسي إلا محمداً ﷺ فإنه فانٍ بالكلية عن نفسه باقٍ ببقاء ربه فيقول : أمتي أمتي ؛ لأنه مغفور ذنب وجوده المتقدم في الدنيا والمتأخر في الآخرة بما فتح الله له ليلة المعراج إذ واجهه بخطاب " سلام عليك أيها النبي "، ففني عن وجوده بالسلام وبقي بوجوده بالرحمة، فكان رحمة مهداة ببركاته إلى الناس كافة، ولكن رفع الذلة من تلك الضيافة وجب لمتابعيه فلهذا قال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين.
يعني : الذين صلحوا لبذل الوجود في طلب المقصود، ﴿قرية﴾، هي قرية شخص الإنسان، ﴿كانت آمنة﴾، أي : آهلة، وهو الروح الإنساني، ﴿مطمئنة﴾ بذكر الله، ﴿يأتيها رزقها﴾، من المواهب، ﴿من كل مكان﴾، روحاني وجسماني، ﴿فكفرت﴾، النفس الأمارة، ﴿فأذاقها الله لباس الجوع﴾، وهو انقطاع مواد التوفيق فأكلوا من جيفة الدنيا وميتة المستلذات، ﴿والخوف﴾، وهو خوف الانقطاع عن الله، ﴿ولقد جاءهم رسول﴾، الوارد بالرباني فما تخلقوا بأخلاقه، ﴿وكلوا مما رزقكم الله﴾ من أنوار الشريعة وأسرار الطريقة، ﴿هذا حلال وهذا حرام﴾، على عادة أهل الإباحة، ﴿وعلى الذين هادوا﴾، أي : تابوا، ﴿حرمنا﴾ من موانع الوصول، ﴿ما قصصنا عليك﴾، في بدوّ نبوتك حتى كنت محترزاً عن صحبة خديجة وتنحيت إلى حراء أسبوعاً أو أسبوعين. ﴿وما ظلمناهم﴾، بتحريم ذلك عليهم بل أنعمنا به عليهم، ﴿ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ بالإعراض عنا بعد الإقبال علينا، ﴿ولم يك من المشركين﴾، ممن له شركة مع الله في الوجود، ﴿اتبع ملة إبراهيم﴾ في الظاهر حتى يتبعك هو في الباطن ولهذا ذهب إلى ربه ماشياً، ﴿إني ذاهب إلى ربي﴾ [الصافات: ٩٩]، وأسري بمحمد راكباً، ﴿سبحان الذي أسرى بعبده﴾ [الإسراء: ١]، فهو خليل وأنت حبيب، اتبعت الخليل في الدنيا، فيتبعك الخليل في الآخرة، " الناس محتاجون إلى شفاعتي يوم القيامة حتى إبراهيم عليه السلام ". ﴿وإن عاقبتهم﴾، النفس الأمارة، ﴿فعاقبوا﴾، أي : بالغوا في عقابها بالفطام عن مألوفاتها، ﴿بمثل ما عوقبتم به﴾، من الانقطاع عن مواد التوفيق والمواهب. ﴿ولئن صبرتم﴾، على معاقبتهم، ﴿لهو خير﴾ ؛ لأن عقاب الحبيب على قدر عقاب العدو وأعدى عدوّك نفسك التي بين جنبيك. ﴿واصبر﴾، على معاقبة النفس ومخالفة الهوى. ﴿وما صبرك إلا بالله﴾ ؛ لأن الصبر من صفات الله ولا يقدر أحد أن يتصف بصفاته إلا به بأن يتجلى بتلك الصفة له. ﴿ولا تحزن﴾، على النفس وجنودها عند المعاقبة فإن فيها صلاح حالهم ومآلهم. ﴿ولا تك في ضيق مما يمكرون﴾، فإن مكرهم يندفع بمعونة الله عند الفرار إليه والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى