فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
قوله :﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً﴾ قد قدّمنا أن ضرب مضمن معنى جعل، حتى تكون ﴿قرية﴾ المفعول الأوّل و﴿مثلاً﴾ المفعول الثاني، وإنما تأخرت ﴿قرية﴾ لئلا يقع الفصل بينها وبين صفاتها، وقدّمنا أيضاً أنه يجوز أن يكون ﴿ضرب﴾ على بابه غير مضمن، ويكون ﴿مثلاً﴾ مفعوله الأوّل وقرية بدلاً منه. وقد اختلف المفسرون هل المراد بهذه القرية قرية معينة، أو المراد قرية غير معينة ؟ بل كل قوم أنعم الله عليهم فأبطرتهم النعمة ؟ فذهب الأكثر إلى الأول وصرحوا بأنها مكة، وذلك لما دعا عليهم رسول الله ﷺ وقال :( اللّهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف )، فابتلوا بالقحط حتى أكلوا العظام، والثاني : أرجح، لأن تنكير قرية يفيد ذلك، ومكة تدخل في هذا العموم البدليّ دخولاً أوّلياً. وأيضاً يكون الوعيد أبلغ، والمثل أكمل، وغير مكة مثلها. وعلى فرض إرادتها، ففي المثل إنذار لغيرها من مثل عاقبتها، ثم وصف القرية بأنها ﴿كَانَتْ آمِنَةً﴾ غير خائفة ﴿مُّطْمَئِنَّةً﴾ غير منزعجة، أي : لا يخاف أهلها ولا ينزعجون ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا﴾ أي : ما يرتزق به أهلها ﴿رَغَدًا﴾ واسعاً ﴿من كُلّ مَكَانٍ﴾ من الأمكنة التي يجلب ما فيها إليها ﴿فَكَفَرَتْ﴾ أي : كفر أهلها ﴿بِأَنْعُمِ الله﴾ التي أنعم بها عليهم، والأنعم : جمع نعمة كالأشدّ جمع شدّة. وقيل : جمع نعمى مثل بؤسى وأبؤس. وهذا الكفر منهم هو كفرهم بالله سبحانه وتكذيب رسله ﴿فَأَذَاقَهَا الله﴾ أي : أذاق أهلها ﴿لِبَاسَ الجوع والخوف﴾ سمي ذلك لباساً لأنه يظهر به عليهم من الهزال، وشحوبة اللون، وسوء الحال، ما هو كاللباس، فاستعير له اسمه، وأوقع عليه الإذاقة، وأصلها الذوق بالفم. ثم استعيرت لمطلق الاتصال مع إنبائها بشدّة الإصابة لما فيها من اجتماع الإدراكين : إدراك اللمس، والذوق. روي أن ابن الراوندي الزنديق قال لابن الأعرابي - إمام اللغة والأدب - هل يذاق اللباس ؟ فقال له ابن الأعرابي : لا بأس أيها النسناس، هب أن محمداً ما كان نبياً أما كان عربياً ؟ كأنه طعن في الآية بأن المناسب أن يقال : فكساها الله لباس الجوع، أو فأذاقها الله طعم الجوع. فرد عليه ابن الأعرابي.
وقد أجاب علماء البيان أن هذا من تجريد الاستعارة، وذلك أنه استعار اللباس لما غشي الإنسان من بعض الحوادث كالجوع والخوف، لاشتماله عليه اشتمال اللباس على اللابس، ثم ذكر الوصف ملائماً للمستعار له، وهو الجوع والخوف ؛ لأن إطلاق الذوق على إدراك الجوع والخوف جرى عندهم مجرى الحقيقة، فيقولون : ذاق فلان البؤس والضر، وأذاقه غيره، فكانت الاستعارة مجرّدة. ولو قال : فكساها كانت مرشحة. قيل : وترشيح الاستعارة، وإن كان مستحسناً من جهة المبالغة، إلاّ أن للتجريد ترجيحاً من حيث أنه روعي جانب المستعار له، فازداد الكلام وضوحاً. وقيل : إن أصل الذوق بالفم، ثم قد يستعار، فيوضع موضع التعرف والاختبار. ومن ذلك قول الشاعر :
ومن يذق الدنيا فإني طعمتهاوسيق إلينا عذبها وعذابها
وقرأ حفص بن غياث ونصر بن عاصم وابن أبي إسحاق وأبو عمرو فيما روى عنه عبد الوارث بنصب الخوف عطفاً على لباس، وقرأ الباقون بالضم عطفاً على الجوع. قال الفراء : كل الصفات أجريت على القرية إلاّ قوله :﴿يَصْنَعُونَ﴾ تنبيهاً على أن المراد في الحقيقة أهلها.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير عن ابن عباس في قوله :﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً﴾ قال : يعني مكة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عطية في الآية مثله. وزاد فقال : ألا ترى أنه قال :﴿وَلَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ منْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾. وأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر نحوه. وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن شهاب قال : القرية التي قال الله ﴿كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ هي يثرب.
قلت : ولا أدري أي دليل دله على هذا التعيين، ولا أيّ قرينة قامت له على ذلك، ومتى كفرت دار الهجرة ومسكن الأنصار بأنعم الله، وأيّ وقت أذاقها الله لباس الجوع والخوف، وهي التي تنفي خبثها كما ينفي الكير خبث الحديد كما صحّ ذلك عن الصادق المصدوق. وصحّ عنه أيضاً أنه قال :( والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون ). وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله :﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب﴾ الآية، قال : في البحيرة والسائبة. وأخرج ابن أبي حاتم عن أبي نضرة قال : قرأت هذه الآية في سورة النحل ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب﴾ الآية قال : في البحيرة والسائبة. وأخرج ابن أبي نضرة قال : قرأت هذه الآية في سورة النحل ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب ﴿هذا حلال وهذا حَرَامٌ﴾ إلى آخر الآية، فلم أزل أخاف الفتيا إلى يومي هذا. قلت : صدق رحمه الله، فإن هذه الآية تتناول بعموم لفظها فتياً من أفتى بخلاف ما في كتاب الله أو في سنّة رسوله ﷺ، كما يقع كثيراً من المؤثرين للرأي المقدّمين له على الرواية، أو الجاهلين لعلم الكتاب والسنّة كالمقلدة، وإنهم لحقيقون بأن يحال بينهم وبين فتاويهم ويمنعوا من جهالاتهم، فإنهم أفتوا بغير علم من الله ولا هدى ولا كتاب منير، فضلوا وأضلوا، فهم ومن يستفتيهم كما قال القائل :
كبهيمة عمياء قاد زمامهاأعمى على عوج الطريق الجائر
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود قال : عسى رجل أن يقول : إن الله أمر بكذا، أو نهى عن كذا، فيقول الله عزّ وجلّ له : كذبت ؛ أو يقول : إن الله حرّم كذا أو أحلّ كذا، فيقول الله له : كذبت. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن الحسن في قوله :﴿وعلى الذين هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ﴾ قال : في سورة الأنعام. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة مثله، وقال : حيث يقول :﴿وَعَلَى الذين هَادُوا﴾ إلى قوله :﴿وِإِنَّا لصادقون﴾ [الأنعام: ١٤٦].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى