التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم ختم - سبحانه - هذه النعم التى منحها لخليله إبراهيم، بأمر نبيه محمد ﷺ أن يتبع ملة إبراهيم - عليه السلام - فقال - تعالى - :﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾.
والمراد بملة إبراهيم : شريعته التي أمره الله - تعالى - باتباعها في عقيدته وعبادته ومعاملاته، وهي شريعة الإِسلام، التي عبر عنها آنفا بالصراط المستقيم في قوله - تعالى - :﴿اجتباه وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.
والمراد باتباع الرسول ﷺ له في ذلك : الاقتداء به في التوحيد وفي أصول الدين، الثابتة في كل الشرائع، لا الفروع الشرعية التي تختلف من شريعة إلى أخرى، بحسب المصالح التي يريدها الله - تعالى - لعباده.
أي : ثم أوحينا إليك - أيها الرسول الكريم - بأن تتبع في عقيدتك وشريعتك ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً﴾، أي : شريعته التي هي شريعة الإِسلام.
قال صاحب الكشاف : قوله - تعالى - :﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ..﴾ : في " ثم " هذه ما فيها من تعظيم منزلة رسول الله ﷺ، وإجلال محله، والإِيذان بأن أشرف ما أوتي خليل الله إبراهيم من الكرامة، وأجل ما أوتي من النعمة، اتباع رسول الله ﷺ لملته، من جهة أنها دلت على تباعد هذا النعت فى المرتبة، من بين سائر النعوت التي أثنى الله عليه بها.
وقال القرطبي : وفي هذه الآية دليل على جواز اتباع الأفضل للمفضول فيما يؤدي إلى الصواب، ولا درك على الفاضل في هذا، فإن النبى ﷺ أفضل الأنبياء، وقد أمر بالاقتداء بهم، قال - تعالى - :﴿أولئك الذين هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقتده..﴾ وقال - سبحانه - هنا :﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً..﴾.
وقوله :﴿حنيفا﴾، حال من إبراهيم، أي : من المضاف إليه، وصح ذلك ؛ لأن المضاف هنا وهو ﴿ملة﴾، كالجزء من المضاف إليه وهو إبراهيم من حيث صحة الاستغناء بالثاني عن الأول ؛ لأن قولك : أن اتبع إبراهيم حنيفا كلام تام..
وقد أشار ابن مالك - رحمه الله - إلى هذا المعنى بقوله :
ولا تجز حالا من المضاف له... إلا إذا اقتضى المضاف عمله
أو كان جزء ماله أضيفا... أو مثل جزئه فلا تحيفا
وقوله - سبحانه - :﴿وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾، تنزيه لإِبراهيم - عليه السلام - عن أي لون من ألوان الإِشراك بالله - تعالى -.
أي : وما كان إبراهيم - عليه السلام - من المشركين مع الله - تعالى - آلهة أخرى لا في عقيدته ولا في عبادته ولا في أي شأن من شئونه.
وفي ذلك رد على المشركين الذين زعموا أنهم على ملة ابراهيم، ورد - أيضا - على اليهود والنصارى الذين زعموا أن إبراهيم - عليه السلام - كان على ملتهم.
قال - تعالى - :﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلاَ نَصْرَانِيّاً وَلَكِن كَانَ حَنِيفاً مُّسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى