لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن
عن الكتاب
قوله عز وجل :﴿ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة﴾، يعني : ادع إلى دين ربك يا محمد، وهو دين الإسلام بالحكمة، يعني : بالمقالة المحكمة الصحيحة، وهي الدليل الموضح للحق المزيل للشبهة والموعظة الحسنة، يعني : وادعهم إلى الله بالترغيب والترهيب، وهو أنه لا يخفى عليهم أنك تناصحهم وتقصد ما ينفعهم، ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾، يعني : بالطريقة التي هي أحسن طرق المجادلة في الرفق واللين من غير فظاظة ولا تعنيف. وقيل : إن الناس اختلفوا وجعلوا ثلاثة أقسام : القسم الأول هم العلماء والكاملون أصحاب العقول الصحيحة والبصائر الثاقبة الذين يطلبون معرفة الأشياء على حقائقها، فهؤلاء المشار إليهم بقوله :﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة﴾، يعني : ادعهم بالدلائل القطعية اليقينية، حتى يعلموا الأشياء بحقائقها، حتى ينتفعوا وينفعوا الناس، وهم خواص العلماء من الصحابة وغيرهم. القسم الثاني : هم أصحاب الفطرة السليمة، والخلقة الأصيلة وهم غالب الناس الذين لم يبلغوا حدّ الكمال، ولم ينزلوا إلى حضيض النقصان فهم أوساط الأقسام، وهم المشار إليهم بقوله : والموعظة الحسنة، أي :﴿ادع هؤلاء بالموعظة الحسنة﴾. القسم الثالث : هم أصحاب جدال وخصام ومعاندة، وهؤلاء المشار إليهم بقوله :﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ حتى ينقادوا إلى الحق ويرجعوا إليه. وقيل : المراد بالحكمة القرآن، يعني : ادعهم بالقرآن الذي هو حكمة وموعظة حسنة، وقيل : المراد بالحكمة النبوة، أي : ادعهم بالنبوة والرسالة، والمراد بالموعظة الحسنة الرفق واللين في الدعوة، ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾، أي : أعرض عن أذاهم ولا تقصر في تبليغ الرسالة، والدعاء إلى الحق، فعلى هذا القول قال بعض علماء التفسير : هذا منسوخ بآية السيف :﴿إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين﴾، يعني : إنما عليك يا محمد تبليغ ما أرسلت به إليهم، ودعاؤهم بهذه الطرق الثلاثة، وهو أعلم بالفريقين الضال والمهتدي، فيجازي كل عامل بعمله.