تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
ثم ذكر تعالى الأرض، وما جعل فيها من الرواسي الشامخات والجبال الراسيات، لتقر الأرض ولا تميد، أي : تضطرب بما عليها من الحيوان فلا يهنأ لهم عيش بسبب ذلك ؛ ولهذا قال :﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات: ٣٢].
وقال عبد الرزاق : أنبأنا مَعْمَر، عن قتادة، سمعت الحسن يقول : لما خُلقت الأرض كانت تميد، فقالوا ما هذه بمقرّة على ظهرها أحدًا فأصبحوا وقد خُلقت الجبال، لم(١) تدر الملائكة مِمّ خلقت الجبال(٢).
وقال سعيد عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عُبَادة : أن الله تعالى لما خلق الأرض، جعلت تمور، فقالت الملائكة : ما هذه بمقرّة على ظهرها أحدًا، فأصبحت صبحا وفيها رواسيها.
وقال ابن جرير : حدثني المثنى، حدثنا حجاج بن مِنْهَال، حدثنا حماد، عن عطاء بن السائب، عن عبد الله بن حَبِيب، عن علي بن أبي طالب(٣)، رضي الله عنه، قال : لما خلق الله الأرض قمصت وقالت : أي رَب، تجعل عليَّ بني آدم يعملون عليّ الخطايا ويجعلون عليّ الخبث ؟ قال : فأرسى الله فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون، فكان إقرارها كاللحم يترجرج. (٤) (٥).
وقوله :﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلا﴾ أي : وجعل فيها أنهارًا تجري من مكان إلى مكان آخر، رزقًا للعباد، ينبع في موضع وهو رزق لأهل موضع آخر، فيقطع البقاع والبراري والقفار، ويخترق(٦) الجبال والآكام، فيصل إلى البلد الذي سُخِّر لأهله. وهي سائرة في الأرض يمنة ويسرة، وجنوبًا وشمالا وشرقًا وغربًا، ما بين صغار وكبار، وأودية تجري حينًا وتنقطع(٧) في وقت، وما بين نبع وجمع، وقوي السير وبطيئه، بحسب ما أراد وقدر، وسخر ويسر فلا إله إلا هو، ولا رب سواه.
وكذلك جعل فيها سبلا أي : طرقًا يسلك فيها من بلاد إلى بلاد، حتى إنه تعالى ليقطع الجبل حتى يكون(٨) ما بينهما ممرًا ومسلكًا، كما قال تعالى :﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلا﴾ [الأنبياء: ٣١].
١ في ت، ف: "فلم"..
٢ تفسير عبد الرزاق (١/٣٠٦)..
٣ في أ: "طلحة"..
٤ في أ: "ترجرج"..
٥ تفسير الطبري (١٤/٦٢)..
٦ في ت، ف: "ويخرق"..
٧ في ت: "وتقطع"..
٨ في أ: "ليكون"..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى