المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله ﴿لا جرم﴾ عبرت فرقة من النحويين عن معناها بلا بد ولا محالة، وقالت فرقة : معناها حق أن الله، ومذهب سيبويه أن ﴿لا﴾، نفي لما تقدم من الكلام، و ﴿جرم﴾ معناه حق ووجب، ونحو هذا، هذا هو مذهب الزجاج، ولكن مع مذهبهما ﴿لا﴾ مُلازمةٌ ل ﴿جرم﴾ لا تنفك هذه من هذه، وفي ﴿جرم﴾ لغات قد تقدم ذكرها في سورة هود(١)، وأنشد أبو عبيدة :/ جرمت فزارة(٢) / وقال معناها حقت عليهم وأوجبت أن يغضبوا، و ﴿أن﴾ على مذهب سيبويه فاعلة ب ﴿جرم﴾، وقرأ الجمهور «أن »، وقرأ عيسى الثقفي «إن » بكسر الألف على القطع، قال يحيى بن سلام والنقاش : المراد هنا بما يسرون مشاورتهم في دار الندوة في قتل النبي ﷺ، وقوله ﴿إنه لا يحب المستكبرين﴾ عام في الكافرين والمؤمنين، فأخذ كل واحد منهم بقسطه، وفي الحديث «لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من كبر »(٣)، وفيه «أن الكبر منع الحق وغمط الناس » ويروى عن الحسن بن علي أنه كان يجلس مع المساكين ويحدثهم، ثم يقول ﴿إنه لا يحب المستكبرين﴾. ويروى في الحديث «أنه من سجد لله سجدة من المؤمنين فقد برىء من الكبر »(٤).
١ راجع الجزء السابع صفحة ٢٦٧ و ٢٦٨..
٢ هذا جزء من بيت لأبي أسماء بن الضريبة، أو لعطية بن عفيف، وهو بتمامه:
ولقد طعنت أبا أميمة طعنة جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
وقد سبق الاستشهاد به عند تفسير قوله تعالى: ﴿لا جرم أنهم في الآخرة هم الأخسرون﴾ الآية (٢٢) من سورة (هود)ـ و لنا عليه تعليق فارجع إليه في الجزء السابع صفحة ٢٦٧..

٣ أخرجه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، والدارمي، والإمام أحمد في مسنده، ولفظه كما في المسند (١ ـ ٣٩٩) عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، ولا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة من كبر، فقال رجل: يا رسول الله: إني ليعجبني أن يكون ثوبي غسيلا ورأسي دهينا، وشراك نعلي جديدا، وذكر أشياء حتى ذكر علاقة أسواطه ـ أفمن الكبر ذاك يا رسول الله؟ قال: لا، ذاك الجمال، إن الله جميل يحب الجمال، ولكن الكبر من سفه الحق واذدرى الناس). (المعجم المفهرس)، وفي (الدر المنثور): أخرجه ابن أبي شيبة، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن مردويه، والبيهقي..
٤ أخرجه الترمذي في السير، وفي لفظه: (وهو بريء من الكبر والغلول). (المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى