تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي
عن الكتاب
قال ابن عباس في قوله تعالى :﴿قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ قال : هو النمروذ الذي بنى الصرح؛ وقال زيد بن أسلم : أول جبار كان في الأرض النمروذ، وقال آخرون، بل هو بختنصر، وقال آخرون : هذا من المثل لإبطال ما صنعه هؤلاء الذين كفروا بالله وأشركوا في عبادته غيره، كما قال نوح عليه السلام :﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً كُبَّاراً﴾ [نوح: ٢٢] أي احتالوا في إضلال الناس بكل حيلة وأمالوهم إلى شركهم بكل وسيلة كما يقول لهم أتباعهم يوم القيامة، ﴿بَلْ مَكْرُ اليل والنهار إِذْ تَأْمُرُونَنَآ أَن نَّكْفُرَ بالله وَنَجْعَلَ لَهُ أَندَاداً﴾ [سبأ: ٣٣] الآية. وقوله :﴿فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِّنَ القواعد﴾ أي اجتثه من أصله وأبطل عملهم، كقوله تعالى :﴿كُلَّمَآ أَوْقَدُواْ نَاراً لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا الله﴾ [المائدة: ٦٤]، وقوله :﴿فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرعب﴾ [الحشر: ٢]، وقال الله هاهنا :﴿فَأَتَى الله بُنْيَانَهُمْ مِّنَ القواعد فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ * ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ﴾ أي يظهر فضائحهم وما كانت تجنه ضمائرهم فيجعله علانية كقوله تعالى :﴿يَوْمَ تبلى السرآئر﴾ [الطارق: ٩] أي تظهر وتشتهر، كما في « الصحيحين » عن ابن عمر قال : قال رسول الله ﷺ :« ينصب لكل غادر لواء يوم القيامة عند استه بقدر غدرته، فيقال : هذه غدرة فلان بن فلان » وهكذا هؤلاء يظهر للناس ما كانوا يسرونه من المكر ويخزيهم الله على رؤوس الخلائق، ويقول لهم الرب تبارك وتعالى مقرعاً لهم وموبخاً :﴿أَيْنَ شُرَكَآئِيَ الذين كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ ؟ تحاربون وتعادون في سبيلهم أين هم عن نصركم وخلاصكم هاهنا؟ ﴿يَنصُرُونَكُمْ أَوْ يَنتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٣]، ﴿فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلاَ نَاصِرٍ﴾ [الطارق: ١٠]، فإذا توجهت عليهم الحجة وقامت عليهم الدلالة : وحقت عليهم الكلمة وسكتوا عن الاعتذار حين لا فرار، ﴿قَالَ الذين أُوتُواْ العلم﴾ وهم السادة في الدنيا والآخرة :﴿إِنَّ الخزي اليوم والسواء عَلَى الكافرين﴾ أي الفضيحة والعذاب محيط اليوم بمن كفر بالله، وأشرك به ما لا يضره وما لا ينفعه.