البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة

عن الكتاب
﴿قد مكر الذين من قَبلِهم﴾ أي : دبروا أمورًا ليمكروا بها الرسل، ﴿فأتى اللهُ بُنيانهم من القواعد﴾ أي : قصد ما دبروه من أصله، فهدمه، ﴿فخرَّ عليهم السَّقْفُ من فوقهم﴾، وصار ما دبروه، وبنوه من المكر، سبب هلاكهم، ﴿وأتاهم العذابُ من حيث لا يشعرون﴾ ؛ لا يحتسبون ولا يتوقعون، وهو على سبيل التمثيل.
وقال ابن عباس وغيره : المراد به نمرود بن كنعان، بنى الصرح ببابل، سُمْكُهُ خمسة آلاف ذراع ؛ ليترصّد أمر السماء، فبعث الله ريحًا فهدمته، فخرَّ عليه وعلى قومه، فهلكوا، وقيل : إن جبريل عليه السلام هدمه، فألقى أعلاه في البحر، وانجعف من أسفله(١).
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : وإذا قيل لأهل الغفلة والإنكار : ماذا أنزل ربكم، على قلوب أولياء زمانكم ؛ من المواهب وأسرار الخصوصية ؟ قالوا : أساطير الأولين، ثم عَوَّقُوا الناس عن الدخول في طريقهم ؛ لتطهير قلوبهم، فيحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ؛ حيث ماتوا مصرين على الكبائر وهم لا يشعرون.
ويحملون من أوزار الذين يضلونهم عن طريق الخصوص بغير علم، بل جهلاً وعنادًا وحسدًا، ألا ساء ما يزرون.
قلت : الذي أتلف العوام عن الدين ثلاثة أصناف : علماء السوء، وفقراء السوء - وهم أهل الزوايا والنسبة -، وقراء السوء ؛ لأن هؤلاء هم المقتدى بهم، والمنظور إليهم، فإذا رأوهم أقبلوا على الدنيا، وقصروا في الدين، تبعوهم على ذلك ؛ فضلوا معهم، فقد ضلوا وأضلوا، وإذا أنكروا على أولياء الله، ومكروا بهم، اقتدوا بهم في ذلك، فيتولى الله حفظ أوليائه، ويهدم مكرهم ؛ قال تعالى :﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾... الآية، فإذا كان يوم القيامة أبعدهم عن حضرته، وأسكنهم مع عوام خلقه. فإذا أنكروا ما فعلوا في الدنيا، يقال لهم :﴿بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون﴾، فيخلدون في عذاب القطيعة والحجاب، فبئس مثوى المتكبرين. والله تعالى أعلم.


١ انجعف من أسفله: أي انقلب وانقلع..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى