فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
قد تقدّم تحقيق معنى الهجرة في سورة النساء، وهي ترك الأهل والأوطان، ومعنى ﴿هاجروا فِي الله﴾ في شأن الله سبحانه وفي رضاه. وقيل :﴿فِي الله﴾ في دين الله. وقيل : في بمعنى اللام أي : لله ﴿مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ أي : عذبوا وأهينوا، فإن أهل مكة عذبوا جماعة من المسلمين حتى قالوا ما أرادوا منهم، فلما تركوهم هاجروا. وقد اختلف في سبب نزول الآية، فقيل : نزلت في صهيب وبلال وخباب وعمار. واعترض بأن السورة مكية، وذلك يخالف قوله :﴿والذين هاجروا﴾. وأجيب بأنه يمكن أن تكون هذه الآية من جملة الآيات المدنية في هذه السورة كما قدّمنا في عنوانها، وقيل : نزلت في أبي جندل بن سهيل، وقيل : نزلت في أصحاب محمد ﷺ لما ظلمهم المشركون بمكة وأخرجوهم حتى لحق طائفة منهم بالحبشة.
﴿لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِي الدنيا حَسَنَة﴾ اختلف في معنى هذا على أقوال. فقيل : المراد : نزولهم المدينة، قاله ابن عباس، والحسن، والشعبي، وقتادة. وقيل : المراد : الرزق الحسن، قاله مجاهد. وقيل : النصر على عدّوهم قاله الضحاك. وقيل : ما استولوا عليه من فتوح البلاد، وصار لهم فيها من الولايات. وقيل : ما بقي لهم فيها من الثناء، وصار لأولادهم من الشرف. ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور. ومعنى ﴿لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِي الدنيا حَسَنَة﴾ لنبوئنهم مباءة حسنة، أو تبوئة حسنة، فحسنة صفة مصدر محذوف ﴿وَلأَجْرُ الآخرة﴾ أي : جزاء أعمالهم في الآخرة ﴿أَكْبَرَ﴾ من أن يعلمه أحد من خلق الله قبل أن يشاهده، ومنه قوله تعالى :﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [الإنسان: ٢٠]. ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي : لو كان هؤلاء الظلمة يعلمون ذلك. وقيل : إن الضمير في ﴿يعلمون﴾ راجع إلى المؤمنين، أي : لو رأوا ثواب الآخرة وعاينوه لعلموا أنه أكبر من حسنة الدنيا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عن ابن عباس في قوله :﴿والذين هاجروا فِي الله مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾ قال : هم قوم من أهل مكة هاجروا إلى رسول الله ﷺ بعد ظلمهم. وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن عساكر عن داود بن أبي هند قال : نزلت هذه الآية في أبي جندل بن سهيل. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿والذين هاجروا فِي الله﴾ الآية قال : هؤلاء أصحاب محمد، ظلمهم أهل مكة فأخرجوهم من ديارهم، حتى لحق طوائف منهم بأرض الحبشة، ثم بوّأهم الله المدينة بعد ذلك، فجعلها لهم دار هجرة، وجعل لهم أنصاراً من المؤمنين ﴿وَلأَجْرُ الآخرة أَكْبَرُ﴾ قال : أي والله لما يصيبهم الله من جنته ونعمته أكبر ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن الشعبي في قوله :﴿فِي الدنيا حَسَنَةً﴾ قال : المدينة. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال : لنرزقنهم في الدنيا رزقاً حسناً.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال :( لما بعث الله محمداً رسولاً أنكرت العرب ذلك، فأنزل الله ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ). وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله :﴿فاسألوا أَهْلَ الذكر﴾ الآية، يعني : مشركي قريش، أن محمداً رسول الله في التوراة والإنجيل. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : نزلت في عبد الله بن سلام ونفر من أهل التوراة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله :﴿بالبينات﴾ قال : الآيات ﴿والزبر﴾ قال : الكتب. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله :﴿أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُوا السيئات﴾ قال : نمروذ بن كنعان وقومه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : أي الشرك. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك، قال : تكذيبهم الرسل، وإعمالهم بالمعاصي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ قال : في اختلافهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ قال : إن شئت أخذته في سفره ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ﴾ يقول : على أثر موت صاحبه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً ﴿على تَخَوُّفٍ﴾ قال : تنقص من أعمالهم. وأخرج ابن جرير عن عمر أنه سألهم عن هذه الآية ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ﴾ فقالوا : ما نرى إلاّ أنه عند تنقص ما يردّده من الآيات. فقال : عمر ما أرى إلا أنه على ما ينتقصون من معاصي الله، فخرج رجل ممن كان عند عمر فلقي أعرابياً، فقال يا فلان : ما فعل ربك ؟ قال : قد تخيفته، يعني انتقصته، فرجع إلى عمر فأخبره، فقال : قد رأيته ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله :﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ﴾ قال : يأخذهم بنقص بعضهم بعضاً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿يتفيؤا﴾ قال : يتميل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله :﴿وَهُمْ داخرون﴾ قال : صاغرون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ﴾ الآية قال : لم يدع شيئاً من خلقه إلاّ عبده له طائعاً أو كارهاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية، قال : يسجد من في السماوات طوعاً، ومن في الأرض طوعاً وكرهاً.
﴿لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِي الدنيا حَسَنَة﴾ اختلف في معنى هذا على أقوال. فقيل : المراد : نزولهم المدينة، قاله ابن عباس، والحسن، والشعبي، وقتادة. وقيل : المراد : الرزق الحسن، قاله مجاهد. وقيل : النصر على عدّوهم قاله الضحاك. وقيل : ما استولوا عليه من فتوح البلاد، وصار لهم فيها من الولايات. وقيل : ما بقي لهم فيها من الثناء، وصار لأولادهم من الشرف. ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه الأمور. ومعنى ﴿لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِي الدنيا حَسَنَة﴾ لنبوئنهم مباءة حسنة، أو تبوئة حسنة، فحسنة صفة مصدر محذوف ﴿وَلأَجْرُ الآخرة﴾ أي : جزاء أعمالهم في الآخرة ﴿أَكْبَرَ﴾ من أن يعلمه أحد من خلق الله قبل أن يشاهده، ومنه قوله تعالى :﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً وَمُلْكاً كَبِيراً﴾ [الإنسان: ٢٠]. ﴿لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ أي : لو كان هؤلاء الظلمة يعلمون ذلك. وقيل : إن الضمير في ﴿يعلمون﴾ راجع إلى المؤمنين، أي : لو رأوا ثواب الآخرة وعاينوه لعلموا أنه أكبر من حسنة الدنيا.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال :( لما بعث الله محمداً رسولاً أنكرت العرب ذلك، فأنزل الله ﴿مَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِي إِلَيْهِمْ﴾ ). وأخرج الفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه عنه في قوله :﴿فاسألوا أَهْلَ الذكر﴾ الآية، يعني : مشركي قريش، أن محمداً رسول الله في التوراة والإنجيل. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير قال : نزلت في عبد الله بن سلام ونفر من أهل التوراة.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله :﴿بالبينات﴾ قال : الآيات ﴿والزبر﴾ قال : الكتب. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله :﴿أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُوا السيئات﴾ قال : نمروذ بن كنعان وقومه. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في الآية قال : أي الشرك. وأخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك، قال : تكذيبهم الرسل، وإعمالهم بالمعاصي. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ قال : في اختلافهم. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه ﴿فِي تَقَلُّبِهِمْ﴾ قال : إن شئت أخذته في سفره ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ﴾ يقول : على أثر موت صاحبه. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً ﴿على تَخَوُّفٍ﴾ قال : تنقص من أعمالهم. وأخرج ابن جرير عن عمر أنه سألهم عن هذه الآية ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ﴾ فقالوا : ما نرى إلاّ أنه عند تنقص ما يردّده من الآيات. فقال : عمر ما أرى إلا أنه على ما ينتقصون من معاصي الله، فخرج رجل ممن كان عند عمر فلقي أعرابياً، فقال يا فلان : ما فعل ربك ؟ قال : قد تخيفته، يعني انتقصته، فرجع إلى عمر فأخبره، فقال : قد رأيته ذلك. وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد في قوله :﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ﴾ قال : يأخذهم بنقص بعضهم بعضاً. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿يتفيؤا﴾ قال : يتميل. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله :﴿وَهُمْ داخرون﴾ قال : صاغرون. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد مثله. وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ﴾ الآية قال : لم يدع شيئاً من خلقه إلاّ عبده له طائعاً أو كارهاً. وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن في الآية، قال : يسجد من في السماوات طوعاً، ومن في الأرض طوعاً وكرهاً.