البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
وصب الشيء دام، قال أبو الأسود الدؤلي :
لا أبتغي الحمد القليل بقاؤهيوماً بذمّ الدهر أجمع واصبا
وقال حسان :
غيرته الريح يسفى به. . .وهزيم رعده واصب
والعليل وصيب، لكنّ المرض لازم له.
وقيل : الوصب التعب، وصب الشيء شق، ومفازة واصبة بعيدة لا غاية لها.
ثم التفت من التكلم إلى ضمير الغيبة فأخبر تعالى : أنّ له ما في السموات والأرض، لأنه لما كان هو الإله الواحد الواجب لذاته كان ما سواه موجوداً بإيجاده وخلقه، وأخبر أنّ له الدين واصباً.
قال مجاهد : الدين الإخلاص.
وقال ابن جبير : العبادة.
وقال عكرمة : شهادة أن لا إله إلا الله، وإقامة الحدود والفرائض.
وقال الزمخشري وابن عطية : الطاعة، زاد ابن عطية : والملك.
وأنشد :
في دين عمرو وحالت بيننا فدك. . .
أي : في طاعته وملكه.
وقال الزمخشري : أوله الحداد أي : دائماً ثابتاً سرمداً لا يزول، يعني الثواب والعقاب.
وقال ابن عباس، وعكرمة، والحسن، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، وابن زيد، والثوري : واصباً دائماً.
قال الزمخشري : والواصب الواجب الثابت لأن كل نعمة منه بالطاعة واجبة له على كل منعم عليه، وذكر ابن الأنباري أنه من الوصب وهو التعب، وهو على معنى النسب أي : ذا وصب، كما قال : أضحى فؤادي به فاتناً، أي ذا فتون.
قال الزمخشري : أو وله الدين ذا كلفة ومشقة، ولذلك سمى تكليفاً انتهى.
وقال الزجاج : يجوز أن يكون المعنى : وله الدين والطاعة رضي العبد بما يؤمر به وسهل عليه أم لا يسهل فله الدين، وإن كان فيه الوصب.
والوصب : شدّة التعب.
وقال الربيع بن أنس : واصباً خالصاً.
قال ابن عطية : والواو في وله ما في السموات والأرض عاطفة على قوله : إله واحد، ويجوز أن تكون واو ابتداء انتهى.
ولا يقال واو ابتداء إلا لواو الحال، ولا يظهر هنا الحال، وإنما هي عاطفة : فإما على الخبر كما ذكر أولاً فتكون الجملة في تقدير المفرد لأنها معطوفة على الخبر، وإما على الجملة بأسرها التي هي : إنما هي إله واحد، فيكون من عطف الجمل.
وانتصب واصباً على الحال، والعامل فيها هو ما يتعلق به المجرور.
أفغير الله استفهام تضمن التوبيخ والتعجب أي : بعدما عرفتم وحدانيته، وأن ما سواه له ومحتاج إليه، كيف تتقون وتخافون غيره ولا نفع ولا ضر يقدر عليه ؟

تفسير هذه الآية من كتب أخرى