مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
ثم قال تعالى :﴿ليكفروا بما آتيناهم﴾ وفي هذه اللام وجهان : الأول : أنها لام كي والمعنى أنهم أشركوا بالله غيره في كشف ذلك الضر عنهم. وغرضهم من ذلك الإشراك أن ينكروا كون ذلك الإنعام من الله تعالى، ألا نرى أن العليل إذا اشتد وجعه تضرع إلى الله تعالى في إزالة ذلك الوجع، فإذا زال أحال زواله على الدواء الفلاني والعلاج الفلاني، وهذا أكثر أحوال الخلق. وقال مصنف هذا الكتاب محمد بن عمر الرازي رحمه الله : في اليوم الذي كنت أكتب هذه الأوراق وهو اليوم الأول من محرم سنة اثنتين وستمائة حصلت زلزلة شديدة، وهذه عظيمة وقت الصبح ورأيت الناس يصيحون بالدعاء والتضرع، فلما سكتت وطاب الهواء، وحسن أنواع الوقت نسوا في الحال تلك الزلزلة وعادوا إلى ما كانوا عليه من تلك السفاهة والجهالة، وكانت هذه الحالة التي شرحها الله تعالى في هذه الآية تجري مجرى الصفة اللازمة لجوهر نفس الإنسان.
والقول الثاني : أن هذه اللام لام العاقبة كقوله تعالى :﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا﴾ يعني أن عاقبة تلك التضرعات ما كانت إلا هذا الكفر.
واعلم أن المراد بقوله :﴿بما آتيناهم﴾ فيه قولان : الأول : أنه عبارة عن كشف الضر وإزالة المكروه. والثاني : قال بعضهم : المراد به القرآن وما جاء به محمد ﷺ من النبوة والشرائع.
واعلم أنه تعالى توعدهم بعد ذلك فقال :﴿فتمتعوا﴾ وهذا لفظ أمر، والمراد منه التهديد، كقوله :﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾ وقوله :﴿قل آمنوا به أو لا تؤمنوا﴾.
ثم قال تعالى :﴿فسوف تعلمون﴾ أي عاقبة أمركم وما ينزل بكم من العذاب والله أعلم.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى