اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله :﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ نَصِيباً﴾ الآية، لما بيَّن فساد قول أهل الشرك بالدلائل القاهرة، شرح في هذه الآية تفاصيل أقوالهم.
قوله :﴿لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ﴾ الضمير في قوله :" يَعْلمُونَ "، يجوز أن يعود للكفار، أي : لما يعلم، ومعنى " لا يَعْلمُونَ " : أنهم يسمُّونها آلهة، ويعتقدون أنَّها تضرُّ، وتنفع، وتشفع ؛ وليس الأمر كذلك. ويجوز أن تكون للآلهة، وهي الأصنام، أي : الأشياء غير موصوفةٍ بالعلم.
قال بعضهم : والأوَّل أولى ؛ لأنَّ نفي العلم عن الحي حقيقةٌ، وعن الجمادِ مجازٌ، وأيضاً : الضمير في " ويَجْعَلُونَ "، عائدٌ إلى المشركين، فكذلك في قوله :﴿لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ﴾، وأيضاً فقوله :﴿لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ﴾ جمعٌ بالواو والنون، وهو بالعقلاءِ أليق منه بالأصنام.
وقيل : الثاني أولى ؛ لأنَّا إذا أعدناه إلى المشركين ؛ افتقرنا إلى إضمار ؛ فإن التقدير : ويجعلون لما لا يعلمون إلهاً، أو لما لا يعلمون كونه نافعاً ضارًّا، وإذا أعدناه إلى الأصنام، لم نفتقر إلى الإضمار ؛ لأن التقدير : ويجعلون لما لا علم لها.
وأيضاً : لو كان هذا العلم مضافاً إلى المشركين، لفسد المعنى ؛ لأنه من المحال أن يجعلوا نصيباً مما رزقهم، لما لا يعلمونه.
فإذا قلنا بالقول الأول، احتجنا إلى الإضمار، وذلك يحتمل وجوهاً :
أحدها : ويجعلون لما لا يعلمون له حقًّا، ولا يعلمون في طاعته [ نَفْعاً ]، ولا في الإعراضِ عنه ضُرًّا. قال مجاهدٌ : يعلمون أنَّ الله خلقهم ويضرُّهم وينفعهم، ثم يجعلون لما لا يعلمون أنَّه ينفعهم، ويضرُّهم نصيباً(١).
وثانيها : ويجعلون لما لا يعلمون إلهيَّتها.
وثالثها : ويجعلون لما لا يعلمون السبب في صيرورتها آلهة معبودة.
قوله :" نَصِيباً " هو المفعول الأول للجعل، والجارُّ قبله هو الثاني، أي : ويصيِّرون الأصنام.
[ وقوله :] ﴿مِّمّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ يجوز أن يكون نعتاً ل " نَصِيباً " وأن يتعلق بالجعل، ف " مِنْ " على الأول للتبعيض، وعلى الثاني للابتداء.

فصل


في المراد بالنصيب احتمالات :
أحدها : أنهم جعلوا لله نصيباً من الحرثِ، والأنعامِ ؛ يتقرَّبون به إلى الله، ونصيباً للأصنام ؛ يتقربون به إليها، كما تقدم في آخر سورة الأنعام.
والثاني : قال الحسنُ - رحمه الله - : المراد بهذا النصيب : البَحِيرةُ، والسَّائبةُ، والوَصِيلةُ، والحَامِ(٢).
والثالث : ربما اعتقدوا في بعض الأشياء، أنَّه لما حصل بإعانة بعض تلك الأصنام، كما أنَّ المنجمين يوزِّعون موجودات هذا العالم على الكواكب السبعة، فيقولون : لرجلٍ كذا وكذا من المعادن، والنبات، والحيوان، وللمشتري أشياء أخرى.
ثمَّ لمَّا حكى عن المشركين هذا المذهب، قال :﴿تالله لَتُسْأَلُنَّ﴾، وهذا في هؤلاء الأقوام خاصة بمنزلة قوله :﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]، فأقسم الله سبحانه وتعالى - جل ذكره - على نفسه أنَّه يسألهم، وهذا تهديد شديد ؛ لأن المراد من هذا : أنه يسألهم سؤال توبيخٍ وتهديدٍ، وفي وقت هذا السؤال احتمالان :
الأول : أنه يقع هذا السؤال عند قرب الموت، ومعاينة ملائكة العذاب، وقيل : عند عذاب القبر، وقيل : في الآخرةِ.
الثاني : أنه يقع ذلك في الآخرة، وهذا أولى ؛ لأنه - تعالى - قد أخبر بما يجري هناك من ضروب التوبيخ عند المسألة، فهو إلى الوعيد أولى.
١ أخرجه الطبري في "تفسيره" (٧/٥٩٨) وذكر السيوطي في "الدر المنثور" (٤/٢٢٦) وعزاه إلى الطبري..
٢ ذكره الرازي في "تفسيره" (٢٠/٤٤)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى