الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾، لعظة. ﴿نُّسْقِيكُمْ﴾، قرأ أهل المدينة وابن عامر ونافع وعاصم بفتح النون. وقرأ الباقون بضمه. واختاره أبو عبيد قال : لأنه شراب دائم.
وحكي عن الكسائي أن العرب تقول : أسقيته نهراً، وأسقيته لبناً، إذا جعلت له سقياً دائماً، فإذا أراد أنهم أعطوه شربة قالوا : سقيناه. وقال غيره : هما لغتان يدل عليه قول لبيد في صفة السقاية :
سقى قومي بني مجد وأسقىنميراً والقبائل من هلال
فجمع بين اللغتين.
﴿مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾، ولم يقل بطونها، والأنعام جميع، قال المبرد : كناية إلى النعم، والنعم والأنعام واحد ولفظ النعم، واستشهد لذلك برجز بعض الأعراب.
إذا رأيت أنجما من الأسدجبهته أو الخراة والكند
بال سهيل في الفضيح ففسدوطاب ألبان اللقاح فبرد
ولم يقل فبردت ؛ لأنه رد إلى [ اللبن أو الخراة ].
قال أبو عبيدة والأخفش : النعم يذّكر ويؤنث، فمن أنّث فلمعنى الجمع، ومن ذكر فلحكم اللفظ ؛ ولأنه لا واحد له من لفظه.
وقال الشاعر يذكره :
أكل عام نِعَم تحوونهيلقحه قوم وتنتجونه
إن له نخيل فلا يحمونه.
وقال الكسائي : ردَّ الكناية إلى المراد في بطون ماذكر. وقال بعضهم : أراد بطون هذا الشيء، كقول الله :﴿فَلَماَّ رَءَا الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٨] وقوله :﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ﴾ [النمل: ٣٥] الآية. ﴿فَلَمَّا جَآءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٣٦] ولم يقل : جاءت. وقال : الصلتان العبدي.
إن السماحة والمرؤة ضمّناقبراً بمرو على الطريق الواضح
وقال الآخر :
وعفراء أدنى الناس مني مودةوعفراء عني المعرض المتواني
وقال الآخر :
إذا الناس ناس والبلاد بغبطةوإذ أُم عمّار صديق مساعف
كل ذلك على معنى هذا الشخص، وهذا الشيء.
وقال المؤرج : الكناية مردودة إلى البعض والجزء، كأنه قال :﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونه اللبن﴾، إذ ليس لكلّها لبن، وإنما يسقى من ذوات اللبن، فاللبن فيه مضمر.
﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ﴾، وهو ما في الكرش، فإذا أُخرج منه لا يسمى فرثاً. ﴿وَدَمٍ لَّبَناً خَالِصاً﴾، خلص من الفرث والدم، ولم يختلط بهما. ﴿سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾، جاهزاً هنيئاً، يجري في الحلق ولا يغص شاربه، وقيل : إنه لم يغص أحد باللبن قط.
قال ابن عبّاس : إذا أكلت الدابة العلف، واستقرّ في كرشها لحينه، وكان أسفله فرث، وأوسطه لبن، وأعلاه دم الكبد، [ فما كان ] على هذه الأصناف الثلاثة يقسم ؛ فيجري الدم في العروق، ويجري اللبن في الضرع، ويبقى الفرث كما هو.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى