تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ٦٦ : وقوله تعالى :﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة﴾، والعبرة : الآية، أي : أنشأ لكم أنعاما ( فيها الآية، وهو )(١) صلة قوله :﴿والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها﴾، أي : أنزل من السماء ماء، وأنشأ الأنعام، لكم فيه الآية ؛ أنشأ، جل وعلا، في الأنعام لبنا غذاء لأولادها (٢)، في الوقت الذي لا تحتمل الغذاء بالعلف، وجعل لأربابها الانتفاع بذلك اللبن، ( وفي الأشباه )(٣) التي لا يؤكل لحمها لم يجعل لأربابها الانتفاع بما يفضل من اللبن. لم يجعل لها فضل لبن / ٢٨٧ – ب /.
وقوله تعالى :﴿نسقيكم مما في بطونه﴾ ذكره بالتذكير. فظاهره أن يذكر بالتأنيث ؛ لأنه إنما أريد به الأمهات التي يَدُرُُّ منها اللبن، أو جماعة من الذكران منها. فكيف ما كان فهو يذكر على التأنيث، لكن بعضهم يقولون : ذكر باسم التذكير على إرادة الأصل الذي به كان اللبن، وهو الفحل.
وهذا يدل إلى أبي حنيفة وأصحابه، رحمهم الله، لقولهم في لبن الفحل : إنه يحرم.
وقال بعضهم : ذكر باسم التذكير على إرادة الجنس والجوهر، من بين الأجناس والجواهر، دون العدد والجماعة.
وقوله تعالى :﴿من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين﴾، قال ابن عباس رضي الله عنه : معنى استخراج اللبن من بين فرث ودم ؛ وذلك أن العلف إذا وقع في الكُرْشِ، فيجعل الفَرْثَ أسفله، والدم أعلاه، واللبن بين ذلك، ثم يسلط الكبد عليهم، فيجلي الدم في العروق، واللبن في الضرع، ويبقى الفرث في الكرش كما هو.
وقال بعض الفلاسفة : إن العلف إذا وقع فيه يصير منه فرشا، ثم يصير منه دما، ثم يصير لبنا خالصا، فهو كالنطفة التي وقعت في الرحم تصير علقة، ثم تصير مضغة مأكولة. فعلى ذلك اللبن الذي ذكر، والله أعلم.
ويحتمل ما قال بعض الفلاسفة : إن العلف يصير فرثا، ثم دما لبنا، ويحتمل أن يكون مجرى اللبن بين ما ذكر من الفَرْثِ والدم. فأي الوجهين كان، فيه اللطف الذي ذكرنا. ووجه ذكر هذا، والله أعلم، على الامتنان.
١ في الأصل وم: فيه الآية هو..
٢ في الأصل وم: الأولاد..
٣ في الأصل وم: في الأشياء..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى