أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي
عن الكتاب
﴿ثم كُلي من كل الثمرات﴾، من كل ثمرة تشتهينها مرها وحلوها. ﴿فاسلُكي﴾، ما أكلت. ﴿سُبل ربك﴾، في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المر عسلا من أجوافك، أو ﴿فاسلكي﴾ الطرق التي ألهمك في عمل العسل، أو فاسلكي راجعة إلى بيوتك ﴿سبل ربك﴾، لا تتوعر عليك ولا تلتبس. ﴿ذُللاً﴾، جمع ذلول، وهي حال من السبل، أي : مذللة، ذللها الله تعالى وسهلها لك، أو من الضمير في اسلكي، أي : وأنت ذلل منقادة لما أمرت به. ﴿يخرج من بطونها﴾، كأنه عدل به عن خطاب النحل إلى خطاب الناس ؛ لأنه محل الإنعام عليهم، والمقصود من خلق النحل وإلهامه لأجلهم. ﴿شراب﴾، يعني : العسل ؛ لأنه مما يشرب، واحتج به من زعم أن النحل تأكل الأزهار والأوراق العطرة فتستحيل في بطنها عسلا، ثم تقيء ادخارا للشتاء، ومن زعم أنها تلتقط بأفواهها أجزاء طلية حلوة صغيرة متفرقة على الأوراق والأزهار، وتضعها في بيوتها ادخارا، فإذا اجتمع في بيوتها شيء كثير منها كان العسل، فسر البطون بالأفواه. ﴿مختلف ألوانه﴾، أبيض وأصفر وأحمر وأسود، بحسب اختلاف سن النحل والفصل. ﴿فيه شفاء للناس﴾، إما بنفسه كما في الأمراض البلغمية، أو مع غيره كما في سائر الأمراض ؛ إذ قلما يكون معجون إلا والعسل جزء منه، مع أن التنكير فيه مشعر بالتبعيض، ويجوز أن يكون للتعظيم. وعن قتادة أن رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال : إن أخي يشتكي بطنه فقال :" اسقه العسل "، فذهب ثم رجع فقال : قد سقيته فما نفع فقال :" اذهب واسقه عسلا، فقد صدق الله وكذب بطن أخيك ". فسقاه فشفاه الله تعالى فبرأ فكأنما أنشط من عقال. وقيل : الضمير للقرآن، أو لما بين الله من أحوال النحل. ﴿إن في ذلك لآية لقوم يتفكرون﴾، فإن من تدبر اختصاص النحل بتلك العلوم الدقيقة والأفعال العجيبة حق التدبر، علم قطعا أنه لا بد له من خالق قادر حكيم يلهمها ذلك ويحملها عليه.