غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿لا جرم﴾، في المد مثل :﴿لا ريب فيه﴾ [البقرة: ٢]. ﴿مفرطون﴾، بكسر الراء المشددة : يزيد. ﴿مفرطون﴾، بكسر الراء المخففة : نافع وقتيبة. الباقون : بفتحها مخففة. ﴿نسقيكم﴾، بفتح النون : نافع وابن عامر وسهل ويعقوب وأبو بكر وحماد. الآخرون بضمها.
الوقوف :﴿مسمى﴾، ج للظرف مع الفاء، ﴿ولا يستقدمون﴾ ٥ ﴿الحسنى﴾ ط ﴿وقيل علي﴾ " لا " ثم يبدأ بجرم وهو تكلف. ﴿مفرطون﴾ ٥ ﴿أليم﴾ ٥ ﴿فيه﴾ لا للعطف على موضع ﴿لتبين﴾، تقديره : إلا تبياناً وهدى. ﴿يؤمنون﴾ ٥ ﴿موتها﴾ ط ﴿يسمعون﴾ ٥ ﴿لعبرة﴾ ط ؛ لأنه لو وصل اشتبه ما بعده بالوصف ﴿للشاربين﴾ ٥ ﴿حسناً﴾ ط ﴿يعقلون﴾ ٥ ﴿يعرشون﴾ ٥ ج للعطف ﴿ذللاً﴾ ط للعدول ﴿للناس﴾ ط ﴿يتفكرون﴾ ٥ ﴿شيئاً﴾ ط ﴿قدير﴾ ٥.
﴿ثم كلي من كل الثمرات﴾، أي : بعضاً من كل ثمرة تشتهينها، فإذا أكلتها، ﴿فاسلكي سبل ربك﴾، أي : الطريق التي ألهمك، وفهمك في عمل العسل، ﴿ذللاً﴾، جمع ذلول، وهي حال من السبل ؛ لأن الله ذللها لها، وسهلها عليها، أو من الضمير في :﴿فاسلكي﴾، أي : وأتت ذلك منقادة لما أمرت به غير ممتنعة، أو المراد فاسلكي ما أكلت في سبل ربك المذللة، أي : في مسالكه التي يحيل فيها بقدرته النور المر عسلاً، وهي أجوافك ومنافذ مأكلك، أو أراد أنك إذا أكلت الثمار في المواضع البعيدة من بيوتك فاسلكي راجعة إلى بيوتك سبل ربك لا تتوعر عليك ولا تضلين فيها. فقد يحكى أنها ربما أجدب عليها ما حولها فتسافر إلى البلد البعيد في طلب النجعة. ويجوز أن يريد بقوله :﴿ثم كلي﴾، اقصدي أكل الثمرات، ﴿فاسلكي﴾ في طلبها من مظانها ﴿سبل ربك﴾. واعلم أن ظاهر قوله :﴿أن اتخذي﴾، ﴿ثم كلي﴾، ﴿فاسلكي﴾ : أمر. فمن الناس من قال لا يبعد أن يكون لهذه الحيوانات عقول يتوجه بها عليها من الله أمر ونهي، ومنهم من أنكر ذلك وقال : المراد أنه سبحانه خلق فيها غرائز وطبائع توجب هذه الأحوال. وتمام الكلام فيه سيجيء في سورة النمل. أما حدوث العسل من النحل فالأصح عند الأطباء أن الله تعالى دبر هذا العالم على وجه يحدث في الهواء طل لطيف في الليالي، ويقع على أوراق الأشجار، فقد يكون كثيراً يجتمع منه أجزاء محسوسة، وهي الترنجبين ونحوه، وقد يكون قليلاً متفرقاً على الأوراق والأزهار، وهو الذي ألهم الله تعالى هذا النحل فتلتقط تلك الذرّات بأفواهها، وتأكلها وتغتذي بها، فإذا شبعت التقطت مرة أخرى، وذهبت بها ووضعتها في بيوتها ادخاراً لنفسها، فإذا اجتمع في بيوتها شيء محسوس من تلك الأجزاء الطلية، فذاك هو العسل. ولا يبعد أن يحصل لتلك الأجزاء في أفواهها نوع هضم وتغير ونضج لخاصية فيها، فلذلك قال :﴿يخرج من بطونها﴾، أي : من أفواهها. ومن الناس من زعم أن النحل تأكل من الأزهار الطيبة والأوراق العطرية ما شاءت، ثم إنه تعالى يقلب تلك الأجسام في داخل بدنه عسلاً، ثم إنه يقيء مرة أخرى، فذلك هو العسل. قال العقلاء : والقول الأول أقرب إلى التجربة والقياس : فإن طبيعة الترنجبين قريبة من العسل في الطعم والشكل، ولا شك أنه طل محدث في الهواء، ويقع على أطراف الأشجار والأزهار، فكذا العسل. وأيضاً النحل إنما تغتذي بالعسل، ولهذا يترك منه بقية في بيوتها بعد الاشتيار. ولكن قوله تعالى :﴿يخرج من بطونها شراب﴾، أي : ما يشرب، يعضد القول الثاني. وقوله :﴿مختلف ألوانه﴾، أي : منه أبيض وأصفر وأحمر وأسود، بحسب اختلاف الأماكن، وأمزجة النحل، واختلاف الأزهار والأعشاب التي ترعى فيها. ثم وصفه بقوله :﴿فيه شفاء للناس﴾ ؛ لأنه من جملة الأشفية والأدوية المشهورة النافعة ؛ ولذا يقع في أكثر المعاجين. وتنكير ﴿شفاء﴾ ؛ لتعظيم الشفاء الذي فيه ؛ أو لأن فيه بعض الشفاء، فإن كل دواء كذلك. وعن النبي ﷺ أن رجلاً جاء إليه فقال : إن أخي يشتكي بطنه. فقال : اسقه العسل. فذهب ثم رجع فقال : قد سقيته فما نفع. فقال : اذهب فاسقه عسلاً، فقد صدق الله وكذب بطن أخيك. فسقاه فشفاه الله فبرأ، كأنما نشط من عقال. قال أهل المعاني : إنه ﷺ كان عالماً بأنه سيظهر نفعه، فلهذا قال : كذب بطن أخيك حين لم يظهر النفع في الحال. وعن عبد الله بن مسعود : العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور، فعليكم بالشفاءين : القرآن والعسل. واعلم أنه سبحانه ختم الآية الأولى بقوله :﴿لقوم يسمعون﴾ ؛ لأن إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض بسببه أمر مشاهد محسوس، فمنكر ذلك فاقد الحس، وإنما خص بالذكر حس السمع ؛ لأن لفظ القرآن المنبه على هذه الآية مسموع. وختم الآية الثانية بالعقل ؛ لأنه يحتاج إلى نوع تدبر، فالمعرض عنه فاقد العقل دون الحس. وختم الثالثة بالتفكر ؛ لأن أمر النحل وقصتها العجيبة من انقيادها لأميرها واتخاذها البيوت على أشكال يعجز عنها الحاذق منا، ثم تتبعها الزهر والطل، ثم خروج ذلك من بطونها لعاباً أو قيئاً يقتضي فكرة بليغة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:التأويل :﴿ولو يؤاخذ الله﴾، النفوس الناسية، ﴿بما ظلمت﴾، على القلوب والأرواح، ﴿ما ترك على﴾ أرض البشرية صفة من صفات الحيوانية. ولكن يؤخر أهل السعادة إلى أجلهم، وهو : إفناء صفات النفس بصفات القلب والروح في حينه وأوانه، ويؤخر أهل الشقاء إلى أوان العكس من ذلك. ﴿ويجعلون لله ما يكرهون﴾، أي : يعاملون الله بأعمال يكرهون أن يعاملهم بها غيرهم، وتسوّل لهم أنفسهم أن تلك المعاملة حسنة. والله أنزل من سماء العزة ماء بيان القرآن، فأحيا به أرض قلوب الأمم بعد موتها باختلافهم على أنبيائهم، ﴿إن في ذلك لآية لقوم يسمعون﴾ كلام الله من الله، ﴿وإن لكم في الأنعام﴾، النفوس، ﴿لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث﴾، الخاطر الشيطاني، ﴿ودم﴾ الخاطر النفساني، ﴿لبناً خالصاً﴾، من الإلهام الرباني، ﴿سائغاً للشاربين﴾، جائزاً لأهل هذا الشرب، ﴿ومن ثمرات﴾ نخيل الطاعات وأعناب المجاهدات، ﴿تتخذون منه سكراً﴾، هو : ما يجعل منها شرب النفس، فتسكر النفس فتارة تميل عن الحق والصراط المستقيم ميلان السكران، وتارة تظهر رعوناتها بالأفعال والأحوال رياء وسمعة وشهوة.
والرزق الحسن ما يكون منه شرب القلب والروح، فيزداد منه الشوق والمحبة والصدق والطلب :
شربت الحب كأساً بعد كأسفما نفد الشراب وما رويت
﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾، إشارة إلى حال السالك السائر، ﴿أن اتخذي من الجبال بيوتاً﴾، أراد الاعتزال عن الخلق والتبتل إلى الله. كان رسول الله ﷺ يتحنث في غار حراء أسبوعاً وأسبوعين وشهراً، ولابد أن يتنظف كما أن النحل يحترز عن التلوث. وفيه أن نحل الأرواح اتخذت من جبال النفوس بيوتاً، ومن شجر القلوب، ومما يعرشون من الأسرار، ﴿ثم كلي من الثمرات فاسلكي سبل ربك﴾، نظير قوله :﴿كلوا من الطيبات واعملوا صالحاً﴾ [المؤمنون: ٥١]، فثمرات البدن : الأعمال الصالحات. وثمرات النفوس : الرياضيات، ومخالفات الهوى. وثمرات القلوب : ترك الدنيا، والتوجه إلى المولى. وثمرات الأسرار : شواهد الحق، والتطلع على الغيوب، والتقرب إلى الله. وهذه كلها أغذية نحل الأرواح، فإنها بقوّة هذه الأغذية تسلك السبل إلى أن تصل إلى المقعد الصدق عند مليكها، فيكون غذاؤها مكاشفات الحق ومشاهداته، فتبيت عند ربها يطعمها ويسقيها، فحينئذ يخرج من بطونها شراب الحكم والمواعظ، مختلف الألوان من المعاني والأسرار والدقائق والحقائق، ﴿فيه شفاء﴾، للقلوب الناسية القاسية عن ذكر الله، ﴿والله خلقكم﴾، أخرجكم من العدم إلى الوجود، ﴿ثم يتوفاكم﴾، عن الوجود المجازي، ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر﴾، وهو : مقام الفناء في الله، ﴿لكيلا يعلم﴾، بعد فناء علمه شيئاً يعلمه، بل يعلم بربه الأشياء كما هي، والله أعلم بالصواب.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى