زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلّ الثَّمَراتِ﴾ قال ابن قتيبة : أي : من الثمرات، و " كل " هاهنا ليست على العموم، ومثله : قوله :﴿تُدَمّرُ كُلَّ شيء﴾ [الأحقاف: ٢٥]. قال الزجاج : فهي تأكل الحامض، والمر، وما لا يوصف طعمه، فيحيل الله عز وجل من ذلك عسلا.
قوله تعالى :﴿فاسلكي سُبُلَ رَبّكِ﴾ السبل : الطرق، وهي التي يطلب فيها الرعي. " والذلل " جمع ذلول. وفي الموصوف بها قولان :
أحدهما : أنها السبل، فالمعنى : اسلكي السبل مذللة لك، فلا يتوعر عليها مكان سلكته، وهذا قول مجاهد، واختيار الزجاج.
والثاني : أنها النحل، فالمعنى : إنك مذللة بالتسخير لبني آدم، وهذا قول قتادة، واختيار ابن قتيبة.
قوله تعالى :﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ﴾، يعني : العسل. ﴿مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾، قال ابن عباس : منه أحمر، وأبيض، وأصفر. قال الزجاج : يَخْرُجُ من بطونها، إلا أنها تلقيه من أفواهها، وإنما قال : من بطونها، لأن استحالة الأطعمة لا تكون إلا في البطن، فيخرج كالريق الدائم يخرج من فم ابن آدم.
قوله تعالى :﴿فِيهِ شفاء لِلنَّاسِ﴾ في هاء الكناية ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها ترجع إلى العسل، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال ابن مسعود. واختلفوا، هل الشفاء الذي فيه يختص بمرض دون غيره، أم لا ؟ على قولين :
أحدهما : أنه عام في كل مرض. قال ابن مسعود : العسل شفاء من كل داء. وقال قتادة : فيه شفاء للناس من الأدواء. وقد روى أبو سعيد الخدري قال : جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال : إن أخي استطلق بطنه، فقال :( اسقه عسلا ) فسقاه، ثم أتى فقال : قد سقيته فلم يزده إلا استطلاقا، قال ( اسقه عسلا )، فذكر الحديث. . . إلى أن قال : فشفي، إما في الثالثة، وإما في الرابعة. فقال رسول الله ﷺ :( صَدَقَ اللَّهُ، وَكَذَّبَ بَطنَ أخيك ) أخرجه البخاري، ومسلم. ويعني بقوله :( صدق الله ) : هذه الآية. والثاني : فيه شفاء للأوجاع التي شفاؤها فيه، قاله السدي. والصحيح أن ذلك خرج مخرج الغالب. قال ابن الأنباري : الغالب على العسل أنه يعمل في الأدواء، ويدخل في الأدوية، فإذا لم يوافق آحاد المرضى، فقد وافق الأكثرين، وهذا كقول العرب : الماء حياة كل شيء، وقد نرى من يقتله الماء، وإنما الكلام على الأغلب.
والثاني : أن الهاء ترجع إلى الاعتبار. والشفاء : بمعنى الهدى، قاله الضحاك.
والثالث : أنها ترجع إلى القرآن، قاله مجاهد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى