المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية

عن الكتاب
وقوله تعالى :﴿ثم كلي من كل الثمرات﴾ الآية، المعنى : ثم ألهمها أن كلي، فعطف ﴿كلي﴾ على ﴿اتخذي﴾، و ﴿من﴾، للتبعيض، أي : كلي جزءاً، أو شيئاً من كل الثمرات، وذلك أنها إنما تأكل النوار من أشجار، و «السبل »، الطرق : وهي مسالكها في الطيران وغيرها، وأضافها إلى :«الرب » من حيث هي ملكه وخلقه التي يسر لك ربك، وقوله :﴿ذللاً﴾، يحتمل أن يكون حالاً من ﴿النخل﴾، أي : مطيعة منقادة لما يسرت له، قاله قتادة، وقال ابن زيد : فهم يخرجون بالنحل ينتجعون، وهي تتبعهم، وقرأ ﴿أولم يروا أنا خلقنا لهم مما عملت أيدينا أنعاماً فهم لها مالكون وذللناها لهم فمنها ركوبهم ومنها يأكلون﴾(١) [يس: ٧١-٧٢]، ويحتمل أن يكون حالاً من «السبل »، أي : مسهلة مستقيمة، قال مجاهد : لا يتوعر عليها سبيل تسلكه، ثم ذكر تعالى على جهة تعديد النعمة والتنبيه على العبرة، أمر العسل في قوله :﴿يخرج من بطونها﴾، وجمهور الناس على أن العسل يخرج من أفواه النحل، وورد عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه قال في تحقير الدنيا : أشرف لباس ابن آدم فيها لعاب دودة، وأشرف شرابه رجيع نحلة، فظاهر هذا أنه من غير الفم، و «اختلاف الألوان » في العسل، بحسب اختلاف النحل والمراعي، وقد يختلف طعمه بحسب اختلاف المراعي، ومن هذا المعنى : قول زينب للنبي ﷺ : جرست نحْلُهُ العرفطَ حين شبهت رائحته برائحة المغافير(٢)، وقوله :﴿فيه شفاء للناس﴾، الضمير للعسل، قاله الجمهور : ولا يقتضي العموم في كل علة، وفي كل إنسان، بل هو خبر عن أنه يشفي، كما يشفي غيره من الأدوية في بعض دون بعض، وعلى حال دون حال، ففائدة الآية : إخبار منبه منه في أنه دواء، كما كثر الشفاء به، وصار خليطاً ومعيناً للأدوية في الأشربة والمعاجين، وقد روي عن ابن عمر، أنه كان لا يشكو شيئاً إلا تداوى بالعسل، حتى إنه يدهن به الدمل والضرحة، ويقرأ :﴿فيه شفاء للناس﴾.
قال القاضي أبو محمد : وهذا يقتضي أنه يرى الشفاء به على العموم، وقال مجاهد : الضمير للقرآن، أي : فيه شفاء، وذهب قوم من أهل الجهالة إلى أن هذه الآية إنما يراد بها : أهل البيت ورجال بني هاشم، وأنهم النحل، وأن الشراب القرآن والحكمة، وقد ذكر بعضهم هذا في مجلس المنصور أبي جعفر العباسي : فقال له رَجل ممن حضر : جعل الله طعامك وشرابك مما يخرج من بطون بني هاشم، فأضحك الحاضرين، وبُهت الآخر، وظهرت سخافة قوله، وباقي الآية بين.
١ الآية (٧١) من سورة (يس)..
٢ قال ابن الأثير في النهاية: المعنى: أكلت النحل، والعرفط: شجر، وفي المعجم الوسيط: جرس النحل نور الشجرة: لحسه للتعسيل، والعرفط: نبات من العضاه من الفصيلة القرينة، والمغافير: جمع مغفارن وهو صمغ حلو يسيل من شجر العرفط يؤكل، أو يوضع في ثوب ثم ينضح بالماء فيشرب، وحديث المغافير أو العسل رواه البخاري، ولفظه: (عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يشرب عسلا عند زينب ابنة جحش ويمكث عندها، فواطأت أنا وحفصة عن أيتنا دخل عليها فلتقل له: أكلت مغافير، إني أجد منك ريح مغافير، قال: لا، ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب ابنة جحش، فلن أعود، وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى