فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
لما ذكر سبحانه بعض أحوال الحيوان، وما فيها من عجائب الصنعة الباهرة، وخصائص القدرة القاهرة، أتبعه بعجائب خلق الإنسان، وما فيه من العبر فقال :﴿والله خَلَقَكُمْ﴾ ولم تكونوا شيئاً ﴿ثُمَّ يتوفاكم﴾ عند انقضاء آجالكم ﴿وَمِنكُم مَن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر﴾ يقال : رذل يرذل رذالة، والأرذل والرذالة : أردأ الشيء وأوضعه. قال النيسابوري : واعلم أن العقلاء ضبطوا مراتب عمر الإنسان في أربع : أولاها سنّ النشوّ، وثانيها : سنّ الوقوف، وهو سنّ الشباب، وثالثها : سنّ الانحطاط اليسير، وهو سنّ الكهولة، ورابعها : سنّ الانحطاط الظاهر، وهو سنّ الشيخوخة. قيل : وأرذل العمر هو عند أن يصير الإنسان إلى الخرف، وهو أن يصير بمنزلة الصبيّ الذي لا عقل له ؛ وقيل : خمس وسبعون سنة، وقيل : تسعون سنة، ومثل هذه الآية قوله سبحانه :﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رددناه أَسْفَلَ سافلين﴾ [التين: ٤ - ٥] ثم علل سبحانه ردّ من يرده إلى أرذل العمر بقوله :﴿لِكَيْلاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ﴾ كان قد حصل له ﴿شَيْئاً﴾ من العلم، لا كثيراً ولا قليلاً، أو شيئاً من المعلومات إذا كان العلم هنا بمعنى المعلوم. وقيل : المراد : بالعلم هنا العقل، وقيل : المراد لئلا يعلم زيادة على علمه الذي قد حصل له قبل ذلك.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد أخرج ابن جرير عن عليّ في قوله :﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر﴾ قال : خمس وسبعون سنة. وأخرج ابن أبي حاتم عن السدّي قال : هو الخرف. وأخرج سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عكرمة قال : من قرأ القرآن، لم يرد إلى أرذل العمر، ثم قرأ ﴿لِكَيْلاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾. وأخرج ابن أبي شيبة عن طاوس، قال : العالم لا يخرف. وقد ثبت عنه ﷺ في الصحيح وغيره أنه كان يتعوّذ بالله أن يردّ إلى أرذل العمر.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِي الرزق﴾ قال : لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني ؟ وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد في الآية قال : هذا مثل لآلهة الباطل مع الله. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ قال : خلق آدم، ثم خلق زوجته منه. وأخرج الفريابي، وسعيد بن منصور، والبخاري في تاريخه، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه عن ابن مسعود في قوله :﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال : الحفدة : الأختان. وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال : الحفدة : الأصهار، وأخرجا عنه، قال : الحفدة : الولد وولد الولد. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أيضاً قال : الحفدة بنو البنين. وأخرج ابن جرير، عن أبي جمرة قال : سئل ابن عباس عن قوله :﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ قال : من أعابك فقد حفدك، أما سمعت الشاعر يقول :
حفد الولائد حولهنّ وأسلمتبأكفهن أزمة الأجمال
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عنه أيضاً، قال : الحفدة : بنو امرأة الرجل، ليسوا منه. وأخرج ابن أبي حاتم عن قتادة ﴿أفبالباطل يُؤْمِنُونَ﴾ قال : الشرك. وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج قال : هو الشيطان ﴿وبنعمة الله﴾ قال : محمد. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله :﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ الآية، قال : هذه الأوثان التي تعبد من دون الله لا تملك لمن يعبدها ﴿رِزْقًا منَ السماوات والأرض﴾ ولا خيراً ولا حياة ولا نشوراً ﴿فَلاَ تَضْرِبُوا لله الأمثال﴾ فإنه أحد صمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله سبحانه :﴿فَلاَ تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمثال﴾ يعني : اتخاذهم الأصنام. يقول : لا تجعلوا معي إلهاً غيري، فإنه لا إله غيري.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى