تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية : ٧٠ وقوله تعالى :﴿والله خلقكم ثم يتوفاكم ومنكم من يرد / ٢٨٨ – ب / إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا﴾، فإن قيل لنا : منة له علينا في ذكر خلقنا، ثم توفيه إيانا، وردنا(١) إلى الحال التي هي (٢) حال الجهل حتى ( لا )(٣) تعلم شيئا.
قيل : ذكر هذا، والله أعلم، يحتمل (٤) وجوها :
أحدها : يُذَكِرُهم أنه هو الذي ﴿خلقكم ثم يتوفاكم﴾، ثم هو يملك ردكم إلى الحال التي لا تعلمون شيئا، وفي ملكه وسلطانه تتقلبون. فكيف عبدتم الأصنام والأوثان التي لا تملك (٥) شيئا من ذلك، وأشركتموها في ألوهيته وعبادته ؟
والثاني (٦) : يَذْكُرُ ؛ ليُعْلَمَ أنه لم يكن المقصود بخلقهم الفناء، لكن لأمر لآخر، قصد بخلقهم، هو (٧) ما ذكر في ما تقدم من أنواع النعم، وتسخير ما ذكر لهم من الأغذية والنعم التي أنشأ لهم، والأشياء التي سخرها لهم.
وقال أبو بكر الأصم : قوله، والله أعلم :﴿خلقكم﴾، وكنتم نطفا أمواتا، فأحياكم ﴿ثم يتوفاكم﴾ أطفالا وشيوخا، ﴿ومنكم من﴾ يُعَمَّرُ ﴿إلى أرذل العمر﴾، يقول : يرده بعد قوة وعلم وتدبير الأمور إلى الخرف والجهل بعد العلم ؛ ليتبين لخلقه أن العمر والرزق ليس بِهما رُبِيَّ، وقَوِيَ ؛ لأنهما ثابتان، ثم يبلى، ويفنى بهما، ويرجع إلى الجهل، ولكن بلطف من الله وتدبير منه لا بالأغذية، والله أعلم.
وقوله تعالى :﴿إن الله عليم﴾، بما دبر في خلقه، مما يُدركون به قدرة خالقهم، وتصريفه الأمور بما يكونون به حكماء وعلماء. إن الذي دبرها حكيم ﴿قدير﴾ على ما شاء.
والحكمة في ما ذَكَرَ من تفريق الآجال ( الأمرين : أحدهما :) (٨) ليكونوا أبدا خائفين راجين ؛ لأنه لو كانت آجالهم واحدة ( لأمنوا، وتعاطوا ) (٩) المعاصي على َأمن لما يعلمون وقت نزول الموت بهم.
والثاني : ليعلموا أَن التدبير في أنفسهم، وملكهم لغيرهم لا لهم ؛ لأن لله التدبير والأمر، ولو كان إليهم لكان كل منهم يختار من الحال ما هو أقوى وآكد.
١ في الأصل وم: ورده لنا..
٢ في الأصل وم: وهي..
٣ ساقطة من الأصل وم..
٤ أدرج بعدها في الأصل وم: هذا..
٥ في الأصل وم: تملكون..
٦ في الأصل وم: أو..
٧ في الأصل وم: وهو..
٨ ساقطة من الأصل وم..
٩ في الأصل وم: يأمنون، ويتعاطون..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى