إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود

عن الكتاب
﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ﴾، أي : من جنسكم ﴿أزواجا﴾ ؛ لتأنَسوا بها وتقيموا بذلك جميعَ مصالحِكم، ويكون أولادُكم أمثالَكم، وقيل : هو خلقُ حواءَ من ضِلْع آدمَ عليه الصلاة والسلام. ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ منْ أزواجكم﴾، وضع الظاهرُ موضعَ المضمر ؛ للإيذان بأن المرادَ : جعلَ لكل منكم من زوجه لا من زوج غيره ﴿بنين﴾، وبأن نتيجةَ الأزواج هو التوالد. ﴿وَحَفَدَةً﴾، جمعُ حافد : وهو الذي يسرع في الخِدمة والطاعة، ومنه قولُ القانت :«وإليك نسعى ونحفد »، أي : جعل لكم خدماً يسرعون في خدمتكم وطاعتِكم. وقيل : المرادُ بهم : أولادُ الأولاد، وقيل : البناتُ، عبّر عنهن بذلك إيذاناً بوجه المنة بأنهن يخْدُمن البيوت أتمَّ خدمة، وقيل : أولادُ المرأة من الزوج الأول، وقيل : البنون، والعطفُ لاختلاف الوصفين، وقيل : الأختان على البنات، وتأخيرُ المنصوب في الموضعين عن المجرور لما مر من التشويق، وتقديمُ المجرور باللام على المجرور بمن ؛ للإيذان من أول الأمر بعَود منفعةِ الجعلِ إليهم، إمداداً للتشويق وتقويةً له، أي : جعل لمصلحتكم مما يناسبكم أزواجاً، وجعل لمنفعتكم من جهة مناسبةٍ لكم بنين وحفَدة. ﴿وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات﴾، من اللذائذ أو من الحلالات، ومن للتبعيض ؛ إذ المرزوقُ في الدنيا أنموذجٌ لما في الآخرة. ﴿أفبالباطل يُؤْمِنُونَ﴾، وهو أن الأصنامَ تنفعهم، وأن البحائرَ ونحوها حرامٌ ! والفاء في المعنى داخلةٌ على الفعل، وهي للعطف على مقدر، أي : أيكفرون بالله الذي شأنُه هذا، فيؤمنون بالباطل ؟ أو أبعد تحقّقِ ما ذُكر من نعم الله تعالى بالباطل يؤمنون دون الله سبحانه. ﴿وَبِنِعْمَة الله﴾ تعالى الفائضةِ عليهم مما ذكر ومما لا يحيط به دائرةُ البيان ﴿هُمْ يَكْفُرُونَ﴾، حيث يضيفونها إلى الأصنام، وتقديمُ الصلة على الفعل للاهتمام، أو لإيهام الاختصاص مبالغةً، أو لرعاية الفواصل، والالتفات إلى الغيبة ؛ للإيذان باستيجاب حالِهم للإعراض عنهم، وصرفِ الخطاب إلى غيرهم من السامعين تعجيباً لهم مما فعلوه.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى