السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني
عن الكتاب
ثم وصف سبحانه وتعالى نفسه بكمال العلم بقوله تعالى :﴿ولله﴾، أي : لا لغيره، ﴿غيب السماوات والأرض﴾، وهو : ما غاب فيهما عن العباد بأن لم يكن محسوساً و لم يدل عليه محسوس، وقيل : الغيب هنا : هو قيام الساعة فإن علمه غائب عن أهل السماوات و الأرض، ثم وصف سبحانه وتعالى كمال قدرته بقوله تعالى :﴿وما أمر الساعة﴾، وهو الوقت الذي يكون فيه البعث، ﴿إلا كلمح البصر﴾، أي : إلا كرجع الطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، والمعنى : وما أمر قيام الساعة في السرعة والسهولة إلا كطرف العين، والمراد منه : تقدير كمال القدرة، ومعنى قوله تعالى :﴿أو هو أقرب﴾، إنّ لمح البصر عبارة عن انتقال الجسم المسمى بالطرف من أعلى الحدقة إلى أسفلها، و لا شك أنّ الحدقة مؤلفة من أجزاء، فلمح البصر عبارة عن المرور على جملة تلك الأجزاء التي منها تألف الحدقة، و لاشك أن تلك الأجزاء كثيرة، والزمان الذي يحصل فيه لمح البصر مركب من آنات متعاقبة، والله تعالى قادر على إقامة القيامة في آن واحد من تلك الآنات، فلذلك قال :﴿أو هو أقرب﴾، إلا أنه لما كان أسرع الأحوال والحوادث في عقولنا وأفكارنا، هو : لمح البصر، لا جرم ذكره، ثم قال :﴿أو هو أقرب﴾، تنبيهاً على ما مرّ، و لا شبهة في أنه ليس المراد : طريقة الشك، فالمراد إذاً : بل هو أقرب، وقال الزجاج : المراد به الإبهام على المخاطبين، لا أنه تعالى يأتي بالساعة إمّا بقدر لمح البصر أو بما هو أسرع، وقيل معناه : إنّ قيام الساعة و إن تراخى، فهو عند الله كالشيء الذي تقولون فيه هو كلمح البصر أو هو أقرب مبالغة، كقوله تعالى :﴿وإنّ يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ [ الرحمن، ٤٧ ]. ﴿إنّ الله﴾، أي : الملك الأعظم، ﴿على كل شيء قدير﴾، فيقدر على أن يحي الخلائق دفعة واحدة كما قدر على إحيائهم، فإنه تعالى مهما أراده كان في أسرع ما يكون.