تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها )، هذه امرأة كانت تسمى ريطة بنت سعد، وكانت بها وسوسة ؛ فكانت تجلس بجانب الحجر، وتغزل طول نهارها بمغزل كبير، فإذا كان العشي نقضته.
وقيل : كانت تأمر جواريها بنقضه، فشبه الله من نقض العهد بها، ومعناه : أنها لم تكف عن العمل، ولا حين عملت كفت عن النقض، فكذلك أنتم لا كففتم عن العهد، ولا حين عهدتم وفيتم.
وقوله :( من بعد قوة )، أي : بعد إحكام. وقوله :( أنكاثا )، أي : إنقاضا وقطعا.
وقوله :( تتخذون أيمانكم دخلا بينكم )، أي : غشا وخديعة.
والدخل : ما تدخل في الشيء للفساد، ويقال : إن ( الدَّغَل ) (١)، هو أن يظهر الوفاء، ويبطن النقض، وكذلك الدخل.
وقوله :( أن تكون أمة هي أربى )، أي : أكثر، وأما معناه : فروي عن مجاهد أنه قال : كانوا يعاهدون مع قوم، فإذا رأوا أقواما أعز منهم وأكثر، نقضوا عهد الأولين، وعاهدوا مع الآخرين ؛ فعلى هذا قوله :( أن تكون أمة هي أربى من أمة )، يعني : طلبتم العز بنقض العهد بأن كانت أمة أكثر من أمة.
وفي الآية قول آخر : وهي نزلت في قوم عاهدوا مع النبي ﷺ ثم نقضوا العهد معه، وعاهدوا مع قوم من الكفار، فظنوا أن قوتهم أكثر ؛ لأن عددهم أكثر، ويقال : إن الآية نزلت في المؤمنين، نهاهم الله تعالى عن نقض العهد ؛ فكأنه تعالى قال : إذا عاهدتم مع قوم لمخافة، فإذا أمنتم فلا تنقضوا، ليكون جانبكم أقوى وأكثر.
وقوله :( إنما يبلوكم الله به )، يعني : بالكثرة والقلة، وقيل : يبلوكم الله به، يعني : بالأمر بالوفاء بالعهد. وقوله :( وليبين لكم يوم القيامة ما كنتم فيه تختلفون )، ظاهر المعنى.
١ - في "ك": الدخل..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى