زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَلاَ تَكُونُواْ كالتي نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾، قال مجاهد : هذا فعل نساء أهل نجد، تنقض إحداهن حبلها، ثم تنفشه، ثم تخلطه بالصوف فتغزله. وقال مقاتل : هي امرأة من قريش تسمى :" ريطة " بنت عمرو بن كعب، كانت إذا غزلت، نقضته. وقال ابن السائب : اسمها " رائطة " وقال ابن الأنباري : اسمها " ريطة " بنت عمرو المرية، ولقبها الجعراء، وهي من أهل مكة، وكانت معروفة عند المخاطبين، فعرفوها بوصفها، ولم يكن لها نظير في فعلها ذلك، كانت متناهية الحمق، تغزل الغزل من القطن أو الصوف فتحكمه، ثم تأمر جاريتها بتقطيعه. وقال بعضهم : كانت تغزل هي وجواريها، ثم تأمرهن أن ينقضن ما غزلن، فضربها الله مثلا لناقضي العهد. و﴿نقضت﴾، بمعنى : تنقض، كقوله :﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٤٣]، بمعنى : وينادي.
وفي المراد بالغزل قولان :
أحدهما : أنه الغزل المعروف، سواء كان من قطن أو صوف أو شعر، وهو قول الأكثرين.
والثاني : أنه الحبل، قاله مجاهد. وقوله :﴿مِن بَعْدِ قُوَّةٍ﴾، قال قتادة : من بعد إبرام، وقوله :﴿أَنكَاثًا﴾، أي : أنقاضا. قال ابن قتيبة : الأنكاث ما نقض من غزل الشعر وغيره. وواحدها : نكث. يقول : لا تؤكدوا على أنفسكم الأيمان والعهود، ثم تنقضوا ذلك وتحنثوا فيه، فتكونوا كامرأة غزلت ونسجت، ثم نقضت ذلك النسج، فجعلته أنكاثا.
قوله تعالى :﴿تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ﴾، أي : دغلا، ومكرا، وخديعة، وكل شيء دخله عيب، فهو مدخول، وفيه دخل.
قوله تعالى :﴿أَن تَكُونَ أُمَّةٌ﴾، قال ابن قتيبة : لأن تكون أمة، ﴿هِي أَرْبَى﴾، أي : هي أغنى ﴿مِنْ أُمَّةٍ﴾، وقال الزجاج : المعنى : بأن تكون أمة هي أكثر، يقال : ربا الشيء يربو : إذا كثر. قال ابن الأنباري : قال اللغويون :" أربى " : أزيد عددا. قال مجاهد : كانوا يحالفون الحلفاء فيجدون أكثر منهم وأعز، فينقضون حلف هؤلاء ويحالفون أولئك، فنهوا عن ذلك. وقال الفراء : المعنى : لا تغدروا بقوم لقلتهم وكثرتكم، أو قلتكم وكثرتهم، وقد غررتموهم بالأيمان.
قوله تعالى :﴿إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ﴾، في هذه الآية ثلاثة أقوال :
أحدها : أنها ترجع إلى الكثرة، قاله سعيد بن جبير، وابن السائب، ومقاتل، فيكون المعنى : إنما يختبركم الله بالكثرة، فإذا كان بين قومين عهد، فكثر أحدهما، فلا ينبغي أن يفسخ الذي بينه وبين الأقل. فإن قيل : إذا كنى عن الكثرة، فهلا قيل بها ؟ فقد أجاب عنه ابن الأنباري، بأن الكثرة ليس تأنيثها حقيقيا، فحملت على معنى التذكير، كما حملت الصيحة على معنى الصياح.
والثاني : أنها ترجع إلى العهد، فإنه لدلالة الأيمان عليه، يجري مجرى المظهر، ذكره ابن الأنباري.
والثالث : أنها ترجع إلى الأمر بالوفاء، ذكره بعض المفسرين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى