اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله :«مَا كَذَبَ » قرأ هشامٌ وأبو جَعْفَر بتشديد الذال والباقون بتخفيفها(١).
فأما الأولى فإن معناها أن ما رآه محمد بعينه صدَّقه قلبهُ ولم ينكره أي لم يقل : لم أعرفْكَ و( ما ) مفعول به موصولة والعائد محذوف ففاعل ( رأى ) ضمير يعود على النبي - ﷺ -.
وأما قراءة التخفيف فقيل كذلك. و«كَذَبَ » يتعدى بنفسه وقيل : هو على إسقاط الخافض أي فيما رآه قاله مكي(٢) وغيره(٣) فأسقط حرف الصفة، قال حسان :
أي في الذي حدثتني.
وجوز في ( ما ) وجهين(٥) آخرين :
أحدهما : أن يكون بمعنى الذي.
والثاني : أن تكون مصدرية ويجوز أن يكون فاعل ( رأى ) ضميراً يعود على الفؤاد أي لم يشك قلبه فيما رآه بعَيْنِهِ(٦).
قال الزمخشري معناه : أن قلبه لم يكذب وما قال إن من يراه بصرك ليس بصحيح ولو قال فؤاده ذلك لكان كاذباٌ فيما قاله(٧) فما كذب الفؤاد. هذا على قراءة التخفيف، يقال : كَذَبَهُ إِذَا قال له الكَذِبَ.
وأما قراءة التشديد فمعناه ما قال : إن المرئيَّ خيالٌ لا حقيقةٌ(٨).
وأما الرائي فقيل : هو الفؤاد كأنه تعالى قال : ما كذب الفؤادُ ما رآه الفؤاد أي لم يقل : إنه هاجس شيطان بل تيقن أن ما رآه بفؤاده صدق صحيح. وقيل : الرائي هو البصر أي ما كذب الفؤاد ما رآه البصر خيال. وقيل : ما كذب الفؤاد وما رأى محمد - عليه الصلاةُ والسلامُ - وعلى هذا فالمراد بالفؤاد الجنس ؛ أي القلوب شهدت بصحة ما رآه محمد - ﷺ -.
وأمَّا المرئي فقيل : هو الرب تعالى. وقيل : جبريل - عليه الصلاة والسلام - وقيل : الآيات العجيبةُ الإلهيَّة. فالقائل بأن المرئي جبريل - عليه الصلاة والسلام - هو ابنُ مسعودٍ وعائشةُ - رضي الله عنهما - ومن قال بأن المرئيَّ هو الله تعالى اختلفوا في معنى الرؤية، فقال بعضهم : جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده. وهو قول ابن عباس، قال : رآه بفؤاده مرتين ﴿مَا كَذَبَ الفؤاد مَا رأى﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أخرى﴾. وقال أنس والحسن وعكرمة : رأى محمدٌ ربَّه بعينيه. وروى عكرمة عن ابن عباس ( رضي الله(٩) عنهما ) قال :«إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى إبْرَاهيمَ بالخلَّةِ، واصْطَفَى مُوسَى بالكَلاَم، واصْطَفَى مُحَمَّداً بالرُّؤْيَةِ - ﷺ ». وكانت عائشة - رضي الله عنها - تقول : لم ير رسول الله ﷺ - ربه. وتحمل الرؤية على رؤية جبريل. وقال مسروق : قلت لعائشة : يا أمَّتاه هل رأى محمدٌ رَبَّه ؟ فقالت : لقد قفَّ شعري لما قلت أين أنت من ثلاث من حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ، من حَدَّثَكَ أنَّ محمداً رأى ربه فقد كذب، ثم قرأتْ :﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ [الأنعام: ١٠٣] ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] ومن حَدَّثَك أنه يَعْلم مَا في غَدٍ فقد كَذَب ثم قرأت :﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ [لقمان: ٣٤] ومن حدّثك أنه كَتَم شيئاً مما أنْزل الله فقد كذب ثم قرأت :﴿يا أيها الرسول بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ الآية [المائدة: ٦٧] ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين. وروى أبو ذر قال :«سألت رسول الله - ﷺ - : هل رأيت ربك قط ؟ قال : نُورٌ أنَّى أَرَاهُ »(١٠).
فأما الأولى فإن معناها أن ما رآه محمد بعينه صدَّقه قلبهُ ولم ينكره أي لم يقل : لم أعرفْكَ و( ما ) مفعول به موصولة والعائد محذوف ففاعل ( رأى ) ضمير يعود على النبي - ﷺ -.
وأما قراءة التخفيف فقيل كذلك. و«كَذَبَ » يتعدى بنفسه وقيل : هو على إسقاط الخافض أي فيما رآه قاله مكي(٢) وغيره(٣) فأسقط حرف الصفة، قال حسان :
| لَوْ كُنْتِ صَادِقَة الَّذِي حَدَّثْتِنِي | لَنَجوْتُ مَنْجَى الحَارِثِ بْنِ هِشَامِ(٤) |
وجوز في ( ما ) وجهين(٥) آخرين :
أحدهما : أن يكون بمعنى الذي.
والثاني : أن تكون مصدرية ويجوز أن يكون فاعل ( رأى ) ضميراً يعود على الفؤاد أي لم يشك قلبه فيما رآه بعَيْنِهِ(٦).
فصل
قال الزمخشري معناه : أن قلبه لم يكذب وما قال إن من يراه بصرك ليس بصحيح ولو قال فؤاده ذلك لكان كاذباٌ فيما قاله(٧) فما كذب الفؤاد. هذا على قراءة التخفيف، يقال : كَذَبَهُ إِذَا قال له الكَذِبَ.
وأما قراءة التشديد فمعناه ما قال : إن المرئيَّ خيالٌ لا حقيقةٌ(٨).
وأما الرائي فقيل : هو الفؤاد كأنه تعالى قال : ما كذب الفؤادُ ما رآه الفؤاد أي لم يقل : إنه هاجس شيطان بل تيقن أن ما رآه بفؤاده صدق صحيح. وقيل : الرائي هو البصر أي ما كذب الفؤاد ما رآه البصر خيال. وقيل : ما كذب الفؤاد وما رأى محمد - عليه الصلاةُ والسلامُ - وعلى هذا فالمراد بالفؤاد الجنس ؛ أي القلوب شهدت بصحة ما رآه محمد - ﷺ -.
وأمَّا المرئي فقيل : هو الرب تعالى. وقيل : جبريل - عليه الصلاة والسلام - وقيل : الآيات العجيبةُ الإلهيَّة. فالقائل بأن المرئي جبريل - عليه الصلاة والسلام - هو ابنُ مسعودٍ وعائشةُ - رضي الله عنهما - ومن قال بأن المرئيَّ هو الله تعالى اختلفوا في معنى الرؤية، فقال بعضهم : جعل بصره في فؤاده فرآه بفؤاده. وهو قول ابن عباس، قال : رآه بفؤاده مرتين ﴿مَا كَذَبَ الفؤاد مَا رأى﴾ ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أخرى﴾. وقال أنس والحسن وعكرمة : رأى محمدٌ ربَّه بعينيه. وروى عكرمة عن ابن عباس ( رضي الله(٩) عنهما ) قال :«إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى إبْرَاهيمَ بالخلَّةِ، واصْطَفَى مُوسَى بالكَلاَم، واصْطَفَى مُحَمَّداً بالرُّؤْيَةِ - ﷺ ». وكانت عائشة - رضي الله عنها - تقول : لم ير رسول الله ﷺ - ربه. وتحمل الرؤية على رؤية جبريل. وقال مسروق : قلت لعائشة : يا أمَّتاه هل رأى محمدٌ رَبَّه ؟ فقالت : لقد قفَّ شعري لما قلت أين أنت من ثلاث من حَدَّثَكَهُنَّ فَقَدْ كَذَبَ، من حَدَّثَكَ أنَّ محمداً رأى ربه فقد كذب، ثم قرأتْ :﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأبصار وَهُوَ يُدْرِكُ الأبصار وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ [الأنعام: ١٠٣] ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١] ومن حَدَّثَك أنه يَعْلم مَا في غَدٍ فقد كَذَب ثم قرأت :﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً﴾ [لقمان: ٣٤] ومن حدّثك أنه كَتَم شيئاً مما أنْزل الله فقد كذب ثم قرأت :﴿يا أيها الرسول بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ الآية [المائدة: ٦٧] ولكنه رأى جبريل في صورته مرتين. وروى أبو ذر قال :«سألت رسول الله - ﷺ - : هل رأيت ربك قط ؟ قال : نُورٌ أنَّى أَرَاهُ »(١٠).
١ وهي سبعية متواترة. وانظر الكشف ٢/٢٩٤..
٢ المشكل له ٢/٣٣١..
٣ كأبي حيان في البحر ٨/١٥٨، والقرطبي في الجامع ١٧/٩٣..
٤ من الكامل له –رضي الله عنه- وهو في القرطبي ١٧/٩٣ وإعجاز القرآن للباقلاني ١٨٠. وشاهده: أن ما موصولة قد حذف حرف الجر الداخل عليها كما أخبر هو أعلى في التقدير، و"ما" هنا قبل التقدير في موضع نصب على نزع الخافض..
٥ كذا في النسختين بالنصب فإن كان يقصد مكيًّا فهو كذب أو تكرير حيث تحدث قبل عن موصولية "ما"، وإن كان يقصد الرفع على نائب الفاعل فإن الكلمة تصبح خطأ..
٦ وانظر المشكل لمكي السابق ٢/٣٣١ والتبيان ١١٨٧..
٧ باللفظ من الرازي ٢٨/٢٨٩ وبالمعنى من الكشاف ٤/٢٩..
٨ وهو قول الرازي في مرجعه السابق..
٩ زيادة من (أ)..
١٠ وانظر في هذه الآثار تفسيري البغوي والخازن لباب التأويل ومعالم التنزيل ٦/٢٥٧ إلى ٢٥٩..
٢ المشكل له ٢/٣٣١..
٣ كأبي حيان في البحر ٨/١٥٨، والقرطبي في الجامع ١٧/٩٣..
٤ من الكامل له –رضي الله عنه- وهو في القرطبي ١٧/٩٣ وإعجاز القرآن للباقلاني ١٨٠. وشاهده: أن ما موصولة قد حذف حرف الجر الداخل عليها كما أخبر هو أعلى في التقدير، و"ما" هنا قبل التقدير في موضع نصب على نزع الخافض..
٥ كذا في النسختين بالنصب فإن كان يقصد مكيًّا فهو كذب أو تكرير حيث تحدث قبل عن موصولية "ما"، وإن كان يقصد الرفع على نائب الفاعل فإن الكلمة تصبح خطأ..
٦ وانظر المشكل لمكي السابق ٢/٣٣١ والتبيان ١١٨٧..
٧ باللفظ من الرازي ٢٨/٢٨٩ وبالمعنى من الكشاف ٤/٢٩..
٨ وهو قول الرازي في مرجعه السابق..
٩ زيادة من (أ)..
١٠ وانظر في هذه الآثار تفسيري البغوي والخازن لباب التأويل ومعالم التنزيل ٦/٢٥٧ إلى ٢٥٩..